عبد المنعم الحفني
1538
موسوعة القرآن العظيم
يعرف أصول الشريعة بكاملها ، وما تنطوى عليه من أحكام ، ويملك القدرة التامة على استنباط هذه الأحكام وردّها إلى أصولها ، وهي : الكتاب ، والسنّة ، والإجماع ، والعقل ، ويميّز بين آيات الأحكام وغيرها ، وبين الصحيح والضعيف في الأحاديث ، وبين ما أجمع عليه وما اختلف فيه ، وبين القواعد المقررة بحكم العقل والعقلاء ، ومعنى المفردات ومصادرها . وعلى ذلك فالمجتهد كاشف للشريعة ، بينما المقلّد جاهل بالمصادر وأدلتها من الأساس ، وما تنطوى عليه من أحكام ، ويعجز عن التفصيل والاستنباط . ولا يجوز الاجتهاد في مقابل نصّ قطعي الثبوت والدلالة ، ولا يكون الاجتهاد إلا في مورد لا إجماع ولا نصّ فيه من كتاب أو سنّة ، ولا يكون بالرأي أو القياس والاستحسان الظنيين ، فأحكام اللّه لا تناط بالظنون ، وإذا لم يكن هناك نصّ وكان لا بدّ من الاجتهاد ، اعتمد المكلّف في ثبوت الحكم على مبادئ العقل الصحيحة ، ومنها : الأهمّ مقدّم على المهم عند التزاحم ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، واختيار أهون الشرّين إذا لم يكن من أحدهما مناص ، والضرورات تبيح المحظورات ، والضرورة تقدّر بقدرها ، وقبح العقاب بلا بيان ، ودرء المفسدة أولى من جلب المصلحة ، والعلم بوجود التكليف يستدعى العلم بطاعته وامتثاله ، وأصل المشروط عدم شرطه ، والإذن بالشئ إذن بلوازمه ، والأصل براءة كل إنسان حتى تثبت إدانته ، وإذا وجدت العلة وجد معلولها ، إلى آخر ما هنالك من مبادئ يقطع العقل بصحتها ويستكشف بها الحكم الشرعي . وهذا النوع من الاجتهاد مطلوب ، فالإسلام يقدّس العقل وينعى على أهل التقليد ، ويطالب كل إنسان أن يحتكم إليه ليتيقن به أنه تعالى موجود ، وأن له مطلق القدرة والعلم ، وأن النبوة ضرورة ، والأولى إذن أن يعتمد عليه - أي العقل - لإثبات أحكام دينه وشريعته . والاجتهاد في النصّ يكون باعتبار فهمه بشرط أن يكون النصّ ظني الدلالة ، كقوله تعالى : وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ( البقرة 228 ) ، فالدلالة هنا على القرء ظنية ، لأن القرء ينطبق على الحيضة والطهر ، والاجتهاد واجب في ذلك وإن خالف المجتهد رأى السلف ، غير أن أهل الفقه أقفلوا باب الاجتهاد منذ القرن الرابع الهجري ، ولم يسمحوا برأي إلا رأى الأئمة ، وقالوا في أي رأى يخالف آراءهم أنه إما مؤول أو منسوخ ، وبعض المجتهدين قد يصلح للاجتهاد مطلقا ولديه الكفاءة لاستنباط جميع الأحكام ، ويسمونه « المجتهد المطلق » ، وبعضهم لا يصلح إلا للاستنباط في بعض الفروع دون بعض ، وهذا هو « المجتهد المجتزئ » . وللّه تعالى في كل ما وقع من أحداث أحكام معينة نصب الدليل عليها بالخصوص أو بالعموم ، والمجتهد الذي يعلم ذلك ويطبّقه ويستهديه هو « المجتهد المصيب » ، وله أجران : أجر على جهده ، وأجر