عبد المنعم الحفني

84

موسوعة القرآن العظيم

يسألوا ويكرروا السؤال : متى هذه الساعة ؟ قال : يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ( 187 ) ( الأعراف ) فكان سؤالهم عنها عظيما كسؤالهم أن يروا اللّه جهرة ، فاستوجب الأمر أن يكون الجواب عظيما ، قال : عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي ، فلما سألوا نفس السؤال ، كان سؤالهم هذه المرة استهزاء ، فكان الجواب عليه استهزاء مثله ، كقوله : يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها ( 42 ) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها ( 43 ) إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها ( 44 ) إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها ( 45 ) ( النازعات ) ، فقوله فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها كأنه تعالى يسأل النبىّ صلى اللّه عليه وسلم : في أي شئ أنت يا محمد من ذكر الساعة والسؤال عنها ؟ وأين أنت من الساعة ، وأين هم منها ؟ وكأنهم لما سألوه ، سأل بدوره ربّه ، فأنكر عليه ما ليس له أن يسأل ؛ أو كأنه أنكر عليهم أن يسألوه هذا السؤال وليس هو ممن يعلمه ، والعلم بالساعة علم بالغيب ، ولا يعلم الغيب إلا اللّه ، فإن لم يعلم محمد عن الساعة فليس بالجاهل ، وإنما الجاهل من قصر علمه عن المعلوم لغيره ، والأنبياء دورهم في الرسالة هو النذارة لمن يخافون الساعة ، ولذلك فهم يتّبعون الذكر ويخشون اللّه بالغيب ، واليهود والمشركون سواء ، فلا هم يذكرون ، ولا هم يخشون اللّه والآخرة ، ولذلك لا يجدى معهم أن يكون للسؤال جواب ، فلم يقل في الجواب « قل » كغيره ضمن باب « يسألونك » ، واكتفى بالتبكيت والتوبيخ . ويعدّ باب « يسألونك » من أبواب السؤال الهامة ، ويحفل بالتعليم ، وفيه يعلمنا عن الغنائم أو الأنفال وغيرها ، كقوله : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ ( 1 ) ( الأنفال ) ، وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ( 85 ) ( الإسراء ) ، وعن تاريخ بعض الشخصيات : وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ ( 83 ) ( الكهف ) ، وعن تكوينات الطبيعة في الآخرة : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً ( 105 ) ( طه ) ، وبعض ما نتعلمه من الغيب هو من أبواب التعلّم بالسؤال ، وبعضه من الفقه . ومن أقوى الحجج في القرآن أن يكون دحض الفرية أو إسقاط الحجة ، بإحالة صاحبها إلى شاهد يسأل فيها فيشهد بتهافت ما يقال ، وصيغة ذلك « اسأل » ، و « اسئلوا » كقوله : فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ ( 94 ) ( يونس ) ، وقوله : فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ ( 101 ) ( الإسراء ) ، وقوله : وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ ( 163 ) ( الأعراف ) ، وقوله : فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ ( 63 ) ( الأنبياء ) ، وقوله : سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ( 211 ) ( البقرة ) . ومن الأمثال الجارية مفتتحة بالسؤال ، قوله : فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 43 ) ( النحل ) ، وقوله : سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ ( 40 ) ( القلم ) ، والزعيم هو القائم بالحجة والدعوة . وفي مجال التبكيت والتوبيخ يأتي السؤال : وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ ( 8 ) بِأَيِّ ذَنْبٍ