عبد المنعم الحفني

40

موسوعة القرآن العظيم

أوائل السور ، ولا يستقيم معناها مع السياق العام للسورة . وكذلك فإن هذه الحروف ليست فواصل بين السور ، ولا هي لجذب الانتباه للكلام بعدها ، لأن الذي يستمع إلى الحروف في بداية السورة سيعجب ، ويتأفف ، ويتساءل ، ويبدي الاشمئطاط ، فينصت غضبا إلى ما بعدها ، لعل ما حصّله عن الحروف ، وما ذهب إليه تفكيره فيها يكون صحيحا ، ويفاجأ بالمعاني تترى ، والبراهين تساق ، والكلام يطرح بجدية لا هزل فيه ، بل إن القلب ليميل إلى الكلام كلما بشّر ورقّ وطاب ، ويستشعر الخوف إذا هدّد وتوعّد وأنذر . ولو كانت الحروف فواصل لكانت كالأسماء ، والأسماء تعرب ، وهذه الحروف غير معربة . وفي القرآن أن الكائنات والموجودات كانت قبل أن توجد ممكنات ، وأنها بكلمة « كن » تحقق لها الوجود ، فالعبارة « كن » هي أساس الخلق ، وبها صار الممكن متحققا . و « كن » ليست سوى حروف ، وأي كائن في الوجود عبارة عن حروف ، أحصاها علماء الوراثة في الخلية البشرية الواحدة بثلاثة مليارات حرف ، وبمائة وعشرين مليون حرف في خلية ذبابة الدروسوفيل . ومن هذه الحروف يتألف الجين gene أو المورّث ، وهو بمثابة الكلمة ، وهناك نحو أربعين ألف چين عند الإنسان . وكل كائن له چينوم خاص بنوعه ، والجينوم هو تسلسل الحروف بشكل معين يحدد الشفرة الوراثية . والمادة الوراثية DNA في أية خلية عبارة عن جزئ داخل نواة الخلية . ومن هذه المادة يتكون الشريط الوراثى على هيئة حلزون مزدوج ، والمكونات الأساسية للمادة الوراثية للحامض النووي أربعة مكونات تتوالى على الشريط وتمثل الحروف الأربعة للشفرة الوراثية A , C , T , G وهذه الحروف على اختلاف تسلسلها تكوّن كلمات الشفرة التي تحدد وظائف الجسم وتتحكم فيها . فيا أيها القارئ ، هل ترى الآن عظمة هذه الحروف ، وأن اللّه تعالى ينبّه بها إلى آياته ، فإن كان الأوائل يفسّرونها تفسيرهم البسيط فهو جائز بالنسبة لهم ؛ وإنّ كنا نذهب في تفسيرنا مذهبا آخر أقرب إلى العلم ، فذلك يناسب عصرنا ، والقرآن جاء لكل العصور ، ولتجد فيه كل الشعوب في كافة الأزمان مبتغاها من الإيمان الشافي المطلوب ، والمريح للصدور ، والكافي للأذهان . * * * 35 . في خواتم السور الخواتم في القرآن كالفواتح للفت الانتباه ، وهي آخر ما يقرأ القارئ أو يسمع السامع من السورة ، ولذا كانت في الحسن كالفواتح ، مع إيذان القارئ أو السامع بأن الكلام قد انتهى . مثل : هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ ( 52 ) من سورة إبراهيم ، يجمل بها المطلوب في السورة ؛