عبد المنعم الحفني

35

موسوعة القرآن العظيم

- فهو الذي قام على جمعه ونشره عثمان بن عفان ، أراد به أن يمنع وجود قراءات متعددة مختلفة الألفاظ قد تضرّ بالمعاني . ورغبته هذه في إيجاد نصّ موحّد كان نتيجتها هذا النصّ الحالي ، ويصفه جولد تسيهر بأنه نصّ غير موحّد الأجزاء . ولم ير في محاولة جمع القرآن ونشر نسخة واحدة متيقنة الثبوت ، إلا أنها ترسيخ للقراءات المتعددة للصحابة ، ولاختياراتهم الشخصية ، وإنكارهم لوجود قراءات متعددة . والقرآن لم يحدث أن كان مشاعا يقرأه أىّ من كان ، بطريقته الفردية وبحرية ، ولكنه منذ اللحظة الأولى كتب في حياة النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، وجزّأه آيات وسورا ، وأشرف على ضبطه ، ولم يمت الرسول صلى اللّه عليه وسلم إلا وقد كان للقرآن حفّاظ وعوه بقلوبهم ، ورددته ألسنتهم ، وكتبوه سطورا على الرقاع وقطع الأديم والعسب والأكتاف . وفي عهد أبى بكر حدثت الردّة ، وجرت موقعة اليمامة في أواخر سنة إحدى عشرة للهجرة ، واستشهد فيها - كما قيل - سبعمائة من القرّاء ، فخشى أبو بكر على القرآن ، وقرر أن يجمعه ، وكلّف زيد بن ثابت بهذه المهمة ، فكان يجمع السور والآيات ، ويوازن بين أقوال القرّاء ، ويشرف عليه أبو بكر وعمر ، وانتهت كتابته للقرآن ، كما هو ، متلوا ومتواترا ، على ورق ، وقد رتبت الآيات في السور على ما وقف عليه الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وأجمعت الأمة على هذه النسخة ، وحفظها بعده عمر ، وعهد بها إلى ابنته حفصة ، فحفظتها إلى أن طلبها عثمان ، وقرأها على الصحابة مجتمعين فأقرّوها ، والتزم كل من شارك في هذا العمل غاية الدقة ، يمليها عليهم الإيمان باللّه ، والخوف منه تعالى ، لأن القرآن كلامه . وكانوا لا يقرّون إلا المتواتر دون ما ينقله الآحاد ، وما كان متلوا دون ما نسخت تلاوته ، وفرّقوا بين ما يكون مكتوبا في الهوامش كتفسير وما يكون متنا ، وراعوا ترتيب الآيات والسور على ما وقفهم عليه النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، وأن يكون بلسان قريش ، وخطّوا منه عددا من النسخ أرسلوا كل واحدة إلى الأمصار . فكيف يقال بعدئذ أنه كانت هناك اختلافات ، وأن النسخة التوحيدية كانت معتسفة ؟ ! * * * 31 . من وضع الأعشار للمصحف ؟ الأعشار أمر بها المأمون العباسي ، ويقال الأعشار والعشور أيضا : وهي العلامات بالطّيب ، أو الأحمر ، أو الألوان . ثم عشّر المصحف بالحبر ، وكتب به عند خواتم السور عدد ما فيها من آيات ؛ ويعشّر المصحف الآن بأحبار المطابع . والمسلمون بدءوا فنقّطوا ، ثم خمّسوا ، ثم عشّروا . وكان القرآن مجرّدا في المصاحف ، فأول ما أحدثوا فيه : النّقط على