عبد المنعم الحفني

11

موسوعة القرآن العظيم

3 . غريب القرآن غريب القرآن : هو ما استغلق الإحاطة بمعانيه ، لقلة ما يعرف الباحث من موضوعات اللغة وحقائقها ، ففي سورة عبس ترد لفظة الأب ، كقوله : وَفاكِهَةً وَأَبًّا ( 31 ) ، قال فيها عمر : الفاكهة وقد عرفناها ، فما الأب ؟ فعاب عليه أبو بكر ، واعتبر سؤاله من التكلّف ، وقال : آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا ( 7 ) ( آل عمران ) ، وقال : ما كلّفنا بهذا ! ولم يكن ذلك عن جهل من عمر أو أبى بكر لمعنى الأب ولكنهما حارا في المعاني الكثيرة للكلمة ، فخشيا إن فسراها بمعنى ، أن يكون المراد غيره ، فلذلك اختلف المفسرون في معنى « الأب » إلى سبعة أقوال . وهذا نموذج لغريب القرآن ، وكانوا يتحرّون الشعر لأنه ديوان العرب ، فينظرون إن كانت الكلمة قد وردت عند أحد الشعراء من القدامى ؟ والمفسّر للقرآن يحتاج إلى معرفة مدلول الغريب من القرآن ، ويقتضى ذلك معرفته للغات العرب . وكان الأصمعي - وهو إمام اللغة - يخشى التصدّى لغريب القرآن ولا يحاول تفسيره ، وسئل ما معنى : شَغَفَها حُبًّا ( 30 ) ( يوسف ) فسكت ، ثم تذكر قولا لبعض العرب في جارية لقوم أرادوا بيعها ، أتبيعونها وهي لكم شغاف ؟ ولم يزد على هذا ، ولهذا كان النبىّ صلى اللّه عليه وسلم يحثّ المسلمين على تعلّم إعراب القرآن ومعاني كلماته العربية . * * * 4 . اختلاف المتكلمين عن الأصوليين في تعريف القرآن الخلاف بين الاثنين ظاهري ، فالمتكلمون - بما أنهم متكلمون - فقد اهتموا بالكلام القرآني من ناحيته النفسية أو الذهنية أو الباطنية ، أي قبل أن يخرج كلاما على الحقيقة . ومن الكلام من هذا النوع النفسي في الحديث عن أم سلمة ، قول الرجل لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إني لأحدّث نفسي بالشئ لو تكلمت به لأحبطت أجرى » ، فقال له النبىّ صلى اللّه عليه وسلم : « لا يلقى ذلك الكلام إلا مؤمن » . رواه الطبراني . والنبىّ صلى اللّه عليه وسلم سمّاه كلاما مع أن الرجل لم ينطق به ، وإنما هو حديث نفسي ، أو خواطر ذهنية باطنية لم ترق أن تكون كلاما منطوقا ، وقد جاء عن المتكلمين أنهم اعتبروا كلام القرآن قديما ، وغير مخلوق ، ومنزّه عن الأعراض ، وأزليا ، وليس مجرد ألفاظ متراتبة ، مصورة الحروف والأصوات ، وإنما كان من أول الفاتحة إلى آخر سورة الناس كلمات حكمية ، أي قديمة قدم اللّه سبحانه وتعالى ، فلأنه تعالى قديم فكلامه كذلك قديم وليس حادثا ، وقولهم ذلك لأنهم اعتقدوا أن مذهبهم ينزّه اللّه تعالى ولا يفصل صفاته عنه ، فهو تعالى لم يتصف بصفاته من يوم أن مورست هذه الصفات ، ولكنها صفات قديمة فيه ، فالصفات هي عين الذات ، والذات هي الصفات .