محمد هادي معرفة
29
صيانة القرآن من التحريف
القرآنية ، لأنّ كلّا من السنّة الصحيحة والقرآن الكريم واجب الطاعة . وقد كان من الصحابة من يكتب الحديث ليحفظه حتّى نهى الرسول صلّى اللّه عليه واله عن كتابة ما ليس بقرآن ، إلّا ما كان في صحيفة علي بن أبي طالب كرّم اللّه وجهه ، وهنا نستطيع أن نقول : بأنّ هذه الآية التي قالها عمر كانت أحكاما حفظها عن الرسول بألفاظ الرسول صلّى اللّه عليه واله ، والتعبير بأنّها آية من كتاب اللّه مجاز ، ولو كان ما قاله سيّدنا عمر من باب الحقيقة لا المجاز . . . « 1 » وعبارته الأخيرة لا تخلو من طرافة بل وظرافة في التعبير أيضا ، لأنّه إيحاء إلى التباس التبس على عمر في هذا الحادث الجلل ، حيث اشتبه عليه طلاوة كلام الرسول صلّى اللّه عليه واله بحلاوة كلامه تعالى فظنّ من أحدهما الآخر ، فبدلا من أن يشبّه كلامه صلّى اللّه عليه واله بكلام اللّه تعالى ويأخذه مجازا على سبيل الاستعارة ، أبدى اشتباهه في الأمر وظنّه حقيقة ، وهو وهم فاحش لا سيّما وإصراره عليه حتى آخر أيّام حياته . وأخيرا فقد تنبّه ابن حزم أيضا لخطئه في الدفاع الآنف ، فحاول تلبيس الأمر بشكل آخر ، قال : ولعلّ المراد بكلمة « آية » في قول سيّدنا عمر ، هو الحكم الشرعي ، باعتبار أنّه صلّى اللّه عليه واله « ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى . إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى » « 2 » وليس مراده آية من نصّ الوحي القرآني . قال في كتابه « الأحكام » ما نصّه : قد قال قوم في آية الرجم : إنّها لم تكن قرآنا ، وفي آية الرضعات كذلك ، ونحن لا نأبى هذا ، ولا نقطع أنّها كانت قرآنا متلوّا في الصلوات . ولكنّا نقول : إنّها كانت وحيا أوحاه اللّه إلى نبيّه كما أوحى إليه من قرآن ، فقرىء المتلو مكتوبا في المصاحف والصلوات ، وقرىء سائر الوحي منقولا محفوظا معمولا به كسائر كلامه الذي هو وحي فقط . « 3 » وقال في باب الرضاع من المحلّى : قالوا : قال الراوي : فمات عليه الصلاة والسلام وهنّ ممّا يقرأ من القرآن ، قول منكر وجرم في القرآن ، ولا يحلّ أن يجوّز أحد سقوط شيء من القرآن بعد موت رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله . فقلنا : ليس كما ظننتم ، إنّما معنى ذلك : أنّه ممّا يقرأ مع
--> ( 1 ) - فتح المنان في نسخ القرآن للشيخ علي حسن العريض مفتّش الوعظ بالأزهر ، ص 224 - 226 . ( 2 ) - النجم 53 : 3 - 4 . ( 3 ) - بنقل الأستاذ العريض في فتح المنان ، ص 226 - 227 .