يوسف الحاج أحمد
493
موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة المطهرة
قال العلماء : لقد أوحى اللّه عزّ وجلّ إلى الأرض : بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها ووحيه إلى الأرض أن يأمرها بأن تفعل شيئا معيّنا ، وعندما يوحي للنّحل فذاك وحي الغريزة الّتي أودعها اللّه فيها ، وقد يوحي لإنسان عاديّ وحي إلهام ، كما أوحى إلى أمّ موسى : وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ [ القصص : من الآية 7 ] . وعندما يوحي لأنبيائه فهو وحي الرّسالة . فإذا أوحى اللّه إلى النّحل فلأنّ هذه الحشرة تقدّم للإنسان شيئا ثمينا ، بل إنّ كلمة ( الشّفاء ) لم ترد في القرآن إلّا في موطنين ، في موطن العسل ، وموطن القرآن ، وكأنّ العسل شفاء للأجسام ، والقرآن شفاء للنّفوس ، أما قوله تعالى : وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ فلم يقل : وأوحى اللّه ، مع أنّ اسم ( اللّه ) عزّ وجلّ علم على الذّات واجبة الوجوب ، ومع أنّ الأسماء الحسنى كلّها منطوية في لفظ الجلالة ، لكنّ اللّه سبحانه وتعالى أراد أن يبلّغ الإنسان أنّ هذا الرّب الكريم الّذي يرعاك ويمدّك ، هو الّذي خلق لك النّحل ، خصّيصا من أجلك ، فالمقام هنا مقام التّربية والرّعاية . إنّ ربّك هو الّذي يربّيك ، الّذي يربّي جسدك ، الّذي يربّي نفسك ، الّذي أوجدك ، الّذي أمدّك بالهواء ، والماء ، والطّعام ، والشّراب ، والمعادن ، وبأشباه المعادن ، وبكلّ ما في الأرض من مخلوقات ، هو نفسه ربّك الّذي أوحى إلى النّحل . * أمّا الشّيء الّذي يلفت النّظر هو أنّ النّحل وردت في هذه الآية مؤنّثة : وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي بينما جاء الخطاب للنّمل مذكّرا ، قال عزّ وجلّ : حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ [ النمل : 18 ] . فلما ذا جاء خطاب النّمل مذكّرا ، وخطاب النّحل مؤنّثا ؟ ذلك أنّ النّمل جماعة فيها الذكور والإناث ، وإذا أردت أن تخاطب في اللّغة الذكور والإناث مجتمعين تستخدم ضمير الذكورة ، أمّا إذا كان الخطاب موجّها للإناث فقط فتستخدم ضمير التأنيث ، فجاء الخطاب للنّحل مؤنّثا لأنّ العاملات وحدهنّ اللواتي يصنعن العسل ، فهل كان هذا معروفا من قبل في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ آيات كثيرة جدا بثّها اللّه تعالى في الكون والأرض ، وما على الإنسان إلّا أن يدقّق فيها ، ليكون إيمانه باللّه تحقيقيّا من خلال هذه الآيات الباهرة ، الّتي يعجز عن تصوّرها عقول أهل العقول . [ الإعجاز العلمي ، للدكتور النابلسي ] .