يوسف الحاج أحمد

12

موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة المطهرة

وكان « ابن الرومية » ( ت : 637 ه ) إلى جانب شهرته بعلم النبات محدثا . وكان أكثر علماء ذلك العصر على مثال من أتينا على ذكرهم ، فكان إذا سئل أحدهم عن مسألة في علم من العلوم وعجز عن الجواب أخذ في دراسة ذلك العلم حتى يلمّ به . من ذلك ما رواه ابن خلكان عما جرى « لأبي منصور الجواليقي » ( ت : 539 ه ) العالم بالحديث واللغة والنحو والأدب . فقد تقدّم إليه شابّ وهو متصدّر للتدريس في بغداد وسأله أن يفسّر له بيتين من الشعر لم يفهم معناهما ، فقال له أنشد فأنشد : وصل الحبيب جنان الخلد أسكنها * وهجره النّار يصليني به النّارا فالشمس بالقوس أمست وهي نازلة * إن لم يزرني وبالجوزاء إن زارا فقال له الشيخ : يا بنيّ هذا معنى من علم النّجوم وسبرها لا من صنعة أهل الأدب ، فانصرف الشّاب واستحيا الجواليقي من أن يسأل عن شيء ليس عنده منه علم . . فآلى على نفسه أن لا يجلس في حلقة دروسه حتى يدرس علم النّجوم ويعرف سير الشمس والقمر . فلما حصل على العلم بسيرهما جلس للنّاس وشرح معنى البيتين وهو : أنّ الشمس إذا كانت في القوس كان الليل طويلا فجعل ليالي الهجر فيه ، وإن كانت في الجوزاء كان الليل فجعل ليالي الوصل فيها . وشبيه بذلك ما فعله « أبو بكر الأبيض القرطبي » ( ت : 544 ه ) الشاعر والوشاح المشهور ، فقد سئل مرّة عن مسألة في اللّغة فعجز عنها بمحضر خجل منه ، فأقسم أن يقيد رجليه بقيد من حديد ، ففعل ولم ينزع القيد حتى حفظ الغريب من اللغة . وهكذا نرى أنّ العلم في المفهوم الإسلامي وحدة جامعة لكل أنواع المعرفة ، والقرآن الكريم هو المورد الذي ينهل منه القاصد إلى المعرفة الإيمانية . ويحسن الاستشهاد هنا بما روي عن فلكيين مسلمين كانا يقرءان في باحة الجامع في كتاب ( المجسطي ) الذي دون فيه بطليموس اليوناني ما عرف عن علم الفلك حتى زمانه . فمرّ بهما جماعة من علماء الدّين ، فسألوهما عمّا يقرءان ؟ فكان جوابهما : إنّنا نفيد منه في شرح الآية أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [ الغاشية : 17 - 20 ] .