أحمد الشرباصي

44

موسوعة اخلاق القرآن

بل المراد أن من شأنه الإجابة ، فهو يجيب ان شاء كما قال في آية أخرى : « فيكشف ما تدعوه ان شاء » فهو على قولك : فلا يعطي الكثير فاطلب منه ، أي ان من شأنه ذلك ، ولا يلزم منه أن يعطي كل طالب عين ما طلبه . وأجاب بعضهم بأن الإجابة أعم من اعطاء السؤال . وقد ورد في الحديث الصحيح أن الإجابة تكون بإحدى ثلاث : اما أن يعجل له دعوته ، واما أن يدخر له ، واما أن يكف عنه من السوء مثلها . والآية سيقت لبيان أن اللّه تبارك وتعالى قريب من عباده المتوجهين اليه ، فلا حاجة بهم إلى الصياح في تكبيره ودعائه ، ولا إلى أن يتخذوا وسطاء بينهم وبينه في التوجه اليه ، وسؤال رحمته وفضله ، بل يجب أن يصمدوا اليه وحده ، فإنه وحده هو الذي يجيب الدعاء . ويقول الأستاذ الامام : ان الداعي شخص يطلب شيئا ، وهو يصدق على أكثر الناس الذين يطلبون كل يوم أشياء كثيرة ، وليس كل واحد منهم متحققا بدعاء اللّه تعالى وحده كما يجب أن يدعى ، فهو يقول : أجيب دعوة الداعي إذا خصني بالدعاء ، والتجأ اليّ التجاء حقيقيا ، بحيث ذهب عن نفسه اليّ ، وشعر قلبه بأنه لا ملجأ له الا اليّ ، ومثل هذا لا يطمع في غير مطمع ، ولا يطلب ما لا يصح أن يطلب ، وانما يمتثل أمر اللّه تبارك وتعالى ، باتخاذ جميع الوسائل من طرقها الصحيحة المعروفة ، وهي لا تتحقق الا بالعلم والعزيمة والعمل ، فان تم للعبد ما يريد بذلك فقد أعطاه اللّه سبحانه من خزائنه التي يفيض منها على جميع متبعي سننه في الخلق ، وان بذل جهده ولم يظفر بسؤاله ، فما عليه الا أن يلجأ إلى مسبب الأسباب وهادي القلوب إلى ما غاب عنها وخفي عليها ، ويطلب المعونة والتوفيق ممن بيده ملكوت كل شيء ، وقد قال بعض السلف : ان هذا مجاب لا محالة . وقال الصوفية : الدعاء المجاب هو الدعاء بلسان الاستعداد ، وقد استعاذ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من الطمع في غير مطمع . فمن يترك