أحمد الشرباصي
58
موسوعة اخلاق القرآن
معرفة اللّه لا إلى اللّه ( هكذا ) . فمن آثر العبادة لنفس العبادة ، أو لطلب الثواب ، أو ليصير متعبد كاملا بتلك العبودية ، فهو متبتل إلى غير اللّه ! ! . ومن آثر العرفان للعرفان فهو متبتل إلى العرفان ، ومن آثر العبودية لا للعبودية بل للمعبود ، وآثر العرفان لا للعرفان بل للمعروف ، فقد خاض لجة الوصول . وهذا مقام لا يشرحه المقال ، ولا يعبر عنه الخيال . ومن أراد فليكن من الواصلين إلى العين ، دون السامعين للأثر ، ولا يجد الانسان لهذا مثالا الا عند العشق الشديد إذا مرض البدن بسببه ، وانحبست القوى ، وعميت العينان ، وزالت الاغراض بالكلية ، وانقطعت النفس عما سوى المعشوق بالكلية ، فهناك يظهر الفرق بين التبتل إلى المعشوق ، وبين التبتل إلى رؤية المعشوق . المسألة الثانية : الواجب أن يقال : وتبتل اليه تبتيلا . أو يقال : بتّل نفسك اليه تبتيلا ، لكنه تعالى لم يذكرهما . واختار هذه العبارة الدقيقة ، وهي أن المقصود بالذات هو التبتل ، فأما التبتيل فهو تصرف ، والمشتغل بالتصرف لا يكون متبتلا إلى اللّه ، لأن المشتغل بغير اللّه لا يكون منقطعا إلى اللّه ، الا أنه لا بد أولا من التبتيل حتى يحصل التبتل ، كما قال تعالى : « وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا » . فذكر التبتل أولا اشعارا بأنه المقصود بالذات ، وذكر التبتل ثانيا اشعارا بأنه لا بد منه ، ولكنه مقصود بالعرض » . ولقد تعرض غير الرازي للاستفهام التالي : لماذا قالت الآية الكريمة : « وتبتل اليه تبتيلا » ولم يقل : وتبتل اليه تبتلا ، مع أن مصدر « بتّل » - بتشديد التاء - هو : التبتل ، مثل التعلم والتفهم ؟ .