أحمد الشرباصي
25
موسوعة اخلاق القرآن
بالكمال ، إلى أن تبلغ المقام الذي تجد فيه سعادتها ، وانما كانت هذه الخطة هي « اليسرى » والأسهل لتوافر الدواعي إليها ، وكثرة البواعث عليها ، فالانسان يمتاز عن غيره من سائر الحيوان الأعجم بالتفكير في الاعمال ، وتقدير ثمراتها ، ووزن نتائجها . وحاجة كل انسان إلى أن يعينه غيره حاجة ظاهرة كذلك بالفطرة ، فاحساسه بحاجة غيره ، واندفاعه إلى سدها ، مما تنبه الفطرة إلى تجنب الأذى لمن لم يؤذه ، وأن يحذر اتيان أي شيء من القبائح لظهور اضرارها بالناس ، فهو مدفوع إلى ذلك كله بفطرته الانسانية . لكنه يحتاج - للاستقامة على هذه الطريقة - إلى صحة عقل ينظر بنفسه فيما يختار ، ويميز بنظره بين ما ينبغي اتباعه ، وما يجب تجنبه ، فإذا حقق الانسان ذلك ، وظهرت آثاره في أعماله ، سهل اللّه تعالى له ما هو مسوق اليه بأصل فطرته ، وهو تكميل نفسه لتسعد بمزاياها في الدنيا والآخرة ، لأن سنة اللّه جارية في الخلق بأن كل عمل من الاعمال التي يعملها العاقل . يفتح له باب بصيرة في نوع ذلك العمل ، ويكون مبدأ عادة للنفس ، تأنس بملابستها ، ففاعل الخير للخير يذوق لذته ، ويجد حلاوته ، فتزيد فيه رغبته ، وتشتد اليه عزيمته ، وهذا من تيسير اللّه سبحانه على عباده . ويفسر القشيري هذا النص الكريم بما خلاصته : من أعطى من ماله ، واتقى مخالفة ربه ومساخطه ، وصدق بالجنة ، والمغفرة ، والشفاعة ، فانا نسهل عليه الطاعات ، ونكرّه اليه المخالفات ، ونزين له القربات ، ونحبب اليه الايمان ، ونجمّل في قلبه الاحسان . وإذا كنا قد عرفنا أن اللّه جل جلاله قد قال لرسوله عليه الصلاة والسّلام : « ونيسرك لليسرى » فهذه بشرى عظيمة ، ليست مقصورة على الرسول ، بل تشمل أتباعه من ورائه ، إذ تبشرهم بأن دينهم دين يسر ، وأن