أحمد الشرباصي

62

موسوعة اخلاق القرآن

ولقد وصفت السيدة عائشة أباها أبا بكر بأنه « صفوح عن الجاهلين » أي كثير الصفح والتجاوز عنهم . وكذلك روي أن معاوية قال لابنه : « عليك بالحلم والاحتمال ، حتى تمكنك الفرصة ، فإذا أمكنتك فعليك بالصفح ، فإنه يدفع عنك مضلات الأمور ، ويوقيك مصارع المحذور » . وقال المأمون : « وجدت المسئ اليّ عبد الله ، ولو أساء اليّ عبد لأخ لصفحت عنه اكراما له ، فكيف لا أصفح عن عبد مسيء هو عبد لله » ؟ . وهكذا توالت الكلمات المشرقة المضيئة على ألسنة الأعلام الحكماء ، تمجد الصفح وتنوه بشأنه ، ولم يقتصر هذا على النثر ، بل زان روضة الشعر ، ففي الشعر العربي نماذج كثيرة قيلت في الصفح والتمدح به والدعوة اليه ، فهذا أحد الشعراء يقول في انسان يمدحه : صفوح عن الاجرام ، حتى كأنه * من العفو لم يعرف من الناس مجرما وليس يبالي أن يكون به الأذى * إذا ما الأذى لم يغش بالكره مسلما وهذا ثان يحبب في الصفح ، فيقول : أتيت ذنبا عظيما * وأنت أعظم منه فخذ بحقك ، أو لا * فامنن بصفحك عنه وهذا ثالث يتغنى بمدح من تعود الصفح فيقول : فدهره يصفح عن قدرة * ويغفر الذنب على علمه كأنه يأنف من أن يرى * ذنب امرئ أعظم من حلمه وهذا رابع يقول في صفوح آخر : يعفو عن الذنب العظيم * وليس يعجزه انتصاره