أحمد الشرباصي
59
موسوعة اخلاق القرآن
رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر يخبره بأن الله تعالى قد أنزل عليه آيات ينهاه فيها عن اخراجهم ، فكبر أبو بكر وفرح ، وقرأ الرسول عليه ما نزل ، فلما بلغ قوله تعالى : « أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ » قال أبو بكر : بلى يا رب اني أحب أن يغفر لي ، وقد تجاوزت عما كان . وذهب أبو بكر إلى بيته ، وأرسل إلى مسطح وأصحابه ، وقال : قبلت ما أنزل الله على الرأس والعين ، وانما فعلت بكم ما فعلت إذ سخط الله عليكم ، أما إذ عفا عنكم فمرحبا بكم . وجعل لمسطح ضعف ما كان له قبل ذلك . ونفهم من الآية الكريمة أن أهل الفضل في الدين والخلق لا يقصرون في الاحسان إلى المسلمين ، فهم أهل سماحة وصفح ، ونرى أن الله تبارك وتعالى حينما أمر أبا بكر بالاعطاء لقبه بأولي الفضل والسعة ، كأنه سبحانه يقول له : أنت أفضل من أن تقابل إساءته بمثلها ، وأنت أوسع قلبا من أن تقيم للدنيا وزنا ، فلا يليق بفضلك وسعة قلبك أن تقطع برك عنه بسبب ما صدر منه من الإساءة ، وهذا الخطاب يدل على نهاية الفضل والعلو في الدين . ويعلق الرازي على قوله : « وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا » فيقول ان العفو قرينة التقوى ، وكل من كان أقوى في العفو كان أقوى في التقوى ، ومن كان كذلك كان أفضل لقول الله : « إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ » . والعفو والتقوى متلازمان وقد اجتمعا في أبي بكر ، أما التقوى فلقوله سبحانه : « وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى » وأما العفو فلقوله : « وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا » . ولقد قال الله لرسوله صلى الله عليه وسلم « فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ » وقال في حق أبي بكر : « وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا » فهذا يدل على أن أبا بكر كان ثاني اثنين لرسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع الاخلاق حتى في العفو والصفح .