أحمد الشرباصي
122
موسوعة اخلاق القرآن
من دنس الرذائل والقبائح ، وقد أشعر الله أولئك القوم بسوء عاقبة الخوف والجبن والتخاذل فجمعوا كلمتهم ، حتى عادت إليهم وحدتهم القوية فخرجوا من ذل العبودية إلى عزة الحرية ، وهكذا يموت أفراد باحتمال الذل والظلم حتى كأنهم أموات ، ويحيا أفراد بتدارك ما فات ، والاستعداد لما هو آت . واطلاق « الحياة » على الحالة المعنوية الأخلاقية الشريفة في الأمم والافراد شيء معروف مألوف في لغة العرب ، ومنه قوله تعالى : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ » « 1 » . وشتان ما بين حياة وحياة . ان لله عبادا يحيون الحياة الكريمة العظيمة التي تتألق فيها قلوبهم وأرواحهم وعزائمهم ، وهناك أقوام يحيون حياة البهائم ، حسبهم الحس والحركة والاكل كما تأكل الانعام ، وهذا يذكرنا بقول الله تعالى عن اليهود في سورة البقرة : « وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ » « 2 » . وقد جاءت هذه الآية في اليهود الذين عرفهم الناس بحرصهم على الحياة ، حتى ولو كانت حياة شقية حقيرة ، فهم يتمنون من أعماقهم وبألسنتهم أن تطول أعمارهم ، وقد فاقوا في هذا الحرص سواهم من الناس
--> ( 1 ) سورة الأنفال ، الآية 24 . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية 96 .