أحمد الشرباصي

118

موسوعة اخلاق القرآن

ويقول الحق تبارك وتعالى في سورة النحل : « مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ، وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ » « 1 » . ومن الواضح أن المراد بالحياة هنا ليس حياة الجسم والبدن ، وانما هي حياة للقلب والروح والهمة تتوثق علائقها بالمعاني الأخلاقية والروحية . ولقد ذكر القرطبي في تفسيره أن أقوال السلف تعددت في المراد بالحياة الطيبة هنا ، فالمراد القناعة ، أو التوفيق إلى الطاعات ، أو حلاوة الطاعة ، أو أن يردّ العبد التدبير إلى الله وحده ، أو الاستغناء عن الخلق والافتقار إلى الحق ، أو الرضى بالقضاء . وأنت ترى معي أن أغلب هذه الأقوال - ان لم تكن جميعها - غير مقطوعة الصلة بمكارم الاخلاق . وإذا كان هناك من العلماء من يرى أن « الحياة الطيبة » يراد بها حياة الرزق الحسن ، فان الصواب كما يشرح ابن القيم انها حياة القلب ونعيمه وسروره بالايمان ، ولا حياة أطيب من ذلك الا نعيم الجنة ، ولذلك يقول بعض العارفين : انه لتمر بي أوقات أقول فيها : ان كان أهل الجنة في مثل هذا اني لفي عيش طيب . وقال غيره : انه ليمر بالقلب أوقات يرقص فيها طربا . وهذه الحياة الطيبة تنال بالهمة العالية ، والمحبة الصادقة ، والإرادة الخالصة ، فعلى قدر ذلك تكون الحياة الطيبة ، وأخس الناس حياة أخسهم همة ، وأضعفهم محبة وطلبا ، وحياة البهائم خير من حياة هذا . ويقول القرآن الكريم في سورة الأنفال :

--> ( 1 ) سورة النحل ، الآية 97 .