أحمد الشرباصي

115

موسوعة اخلاق القرآن

لو فارقه ذلك لفارق ما هو من طبيعته وسجيته . فحياة من قد طبع على الحياء والعفة والجود والسخاء ، والمروءة والصدق والوفاء ونحوها ، أتم من حياة من يقهر نفسه ، ويغالب طبعه ، حتى يكون كذلك . فان هذا بمنزلة من تعارضه أسباب الداء وهو يعالجها ويقهرها بأضدادها ، وذلك بمنزلة من قد عوفي من ذلك . وكلما كانت هذه الاخلاق في صاحبها أكمل كانت حياته أقوى وأتم . ولهذا كان خلق ( الحياء ) مشتقا من ( الحياة ) اسما وحقيقة ، فأكمل الناس حياة أكملهم حياء ، ونقصان حياء المرء من نقصان حياته ، فان الروح إذا ماتت لم تحس بما يؤلمها من القبائح فلا تستحيي منها ، فإذا كانت صحيحة الحياة أحست بذلك فاستحيت منه . وكذلك سائر الاخلاق الفاضلة والصفات الممدوحة تابعة لقوة الحياة ، وضدها من نقصان الحياة . ولهذا كانت حياة الشجاع أكمل من حياة الجبان ، وحياة السخي أكمل من حياة البخيل ، وحياة الفطن الذكي أكمل من حياة الفدم البليد . ولهذا لما كان الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - أكمل الناس حياة ، حتى أن قوة حياتهم تمنع الأرض أن تبلي أجسامهم ، كانوا أكمل الناس في هذه الاخلاق ، ثم الأمثل فالأمثل من أتباعهم » . وإذا كانت كلمة « الحياة » قد شغلت صفحات وصفحات من معجمات العربية الكبيرة كلسان العرب ، مما يدل على قوة احساسهم بشؤون الحياة وعنايتهم بما يتعلق بها ، فان مادة « الحياة » قد تكررت عشرات المرات في كتاب العربية الاقدس وهو القرآن المجيد ، والكثير من مواطن استعمالها يفيد معاني أخلاقية ، ومن ذلك قول الحق جل جلاله في سورة الأنعام :