أحمد الشرباصي
26
موسوعة اخلاق القرآن
تصرفات وأعمال ، ثم يظهر أن الخبر كان كاذبا أو محرفا أو مبالغا فيه ، أو مرادا به غير ما فهمه الانسان ، فيكون هناك ندم وأسف ، وقد كان اللائق بالعاقل أن يتبين ويتثبت ، ويتأكد ويراجع ، حتى لا يؤخذ على غرة ، ولا ينكب بخديعة . ويقرأ الانسان نبأ في صحيفة أو مجلة ، فيسارع بتصديقه ، ويعادي أو يصادق على أساس أنه حق واقع ، مع أنه قد يكون مكذوبا أو مفترى ، ومن هنا يكتوي المتسرع بلهب الندم والحسرة والغم بسبب تسرعه وعدم تثبته . ويصاب الانسان بأذى من هنا أو هناك ، دون أن يعرف مصدر هذا الأذى ، فإذا هو يتعجل ويسارع فيتهم هذا ، أو يسب ذاك ، أو يتهجم على ذلك ، ولو أنه تأنى وتريث ، لأدرك مصدر الأذى على حقيقته ، وحينئذ يحسن التصرف على أساسه ، فلا يفقد أصدقاء له ، ولا يضيف إلى أعدائه جديدا منهم . ومن باب التسرع المذموم أن يتعجل الانسان بالمدح دون دراية ، أو الذم دون موجب ، أو يتعجل بالكلام قبل أن يديره على عقله ، أو يتعجل بتصرف ما قبل ان يتدبره ، ومن وراء ذلك يكون الغم والأسف . ألا ما أكثر البلايا التي تلاحق الناس من وراء تسرعهم واندفاعهم ، وقلة تبينهم للأمور وتثبتهم من الوقائع وتأكدهم من الاخبار ، مع أنهم يسمعون كل حين قول الحكيم : « في التأني السلامة وفي العجلة الندامة » . ولقد تناثرت الكلمات الحكيمة الداعية إلى تبين الأمور خلال كتب الأدب والحكمة ، وكلها تذكير بهذه الفضيلة الأخلاقية القرآنية الحميدة ، فهذا بعض الحكماء يقول : « إذا أردت أن يكون العقل غالبا للهوى ، فلا تعمل بقضاء الشهوة حتى تنظر العاقبة ، فان مكث الندامة في القلب أكثر