أحمد الشرباصي

77

موسوعة اخلاق القرآن

صدر خطبة طويلة له : « الحمد للّه الذي لبس العزّ والكبرياء ، واختارهما لنفسه دون خلقه ، وجعلهما حمى وحراما على غيره ، واصطفاهما لجلاله ، وجعل اللعنة على من نازعه فيهما من عباده ، ثم اختبر بذلك ملائكته المقربين ليميز المتواضعين منهم من المستكبرين ، فقال سبحانه وهو العالم بمضمرات القلوب ومحجوبات الغيوب : ( إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ ، فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ، فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ ) اعترضته الحمية فافتخر على آدم بخلقه ، وتعصب عليه لأصله ، فعدو اللّه إمام المتعصبين وسلف المستكبرين ، الذي وضع أساس العصبية ، ونازع اللّه رداء الجبرية ، وادّرع لباس التعزز . وخلع قناع التذلل . ألا ترون كيف صغّره اللّه بتكبره ، ووضعه بترفعه ، فجعله في الدنيا مدحورا ، وأعد له في الآخرة سعيرا » . وهكذا يصدق منصور بن عمار حين يقول : « أحسن لباس العبد التواضع والانكسار ، وأحسن لباس العارفين التقوى ، قال اللّه تعالى : « وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ » . والحديث النبوي الشريف يزكي ذلك فيقول : « إذا هدى اللّه عبدا للاسلام ، وحسّن صورته ، وجعله في موضع غير شائن له ، ورزقه مع ذلك تواضعا ، فذلك من صفوة اللّه » . وقد يقال : وكيف الطريق إلى اكتساب فضيلة التواضع ؟ . والغزالي يرسم الطريق فيذكر ما ملخصه أن الإنسان يجب عليه أولا أن يتذكر بدايته : « من أي شيء خلقه ، من نطفة خلقه فقدره ، ثم السبيل يسره ، ثم أماته فأقبره ، ثم إذا شاء أنشره « 1 » » ، فالإنسان في أول أمره لم يكن شيئا مذكورا ، وهو في النهاية يصير شيئا معدوما ، وأي شيء أخسّ من المحو والعدم ، ولقد كان أيضا معدوما قبل إيجاده ، ثم منّ اللّه عليه بالطاقات والهبات ولو شاء لنزعها

--> ( 1 ) نطفة : مادة التناسل السائلة . وفأقبره : أمر بدفنه في القبر . وأنشره : بعثه حيا بعد موته .