أحمد الشرباصي
72
موسوعة اخلاق القرآن
رسول اللّه بالرأفة والرحمة والحرص على خير الناس ، أراد أن يشعرنا بأنه المثل الأعلى في التواضع . وها هو ذا رب العزة يخاطب نبيّ الرحمة في سورة آل عمران بقوله : « فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ، وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ » . ويقول له في سورة الشعراء : « وَاخْفِضْ جَناحَكَ « 1 » لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ » . ولقد أقام الرسول بعمله وقوله وتصرفاته في حياته الدلائل بعد الدلائل على أنه كان المثل الأعلى للتواضع ، فهذا النبي العظيم الذي وصفه القرآن الكريم بأنه رؤوف رحيم ، وبأنه الشاهد والمبشّر والنذير ، والداعي إلى اللّه بأمره والسراج المنير ، وبأنه رحمة اللّه للعالمين ، هذا النبي الخاتم الجامع كان يجيب دعوة العبد ، ويصغي للأمة فلا ينصرف عنها حتى تنصرف ، ولا يتميز على أصحابه ، بل يشاركهم العمل ما قلّ أو كثر ، وإذا دخل بيته كان في خدمة أهله ، فهو يحلب الشاة ، ويرقع الثوب ، ويخصف النعل ، ويميل الإناء للهرة لتشرب ، ويعلف الدابة ، ويعقل البعير ، ويطحن بالرحى ، ويشتري الشيء من السوق ويحمله ، ويأكل مع الخادم ، وبجالس المساكين ، ويعنى بالأرملة واليتيم والفقير . . . الخ . ويعنى النبي صلوات اللّه وسلامه عليه بالدعوة إلى التواضع والحث عليه ، فيقول : « إن اللّه أوحى إليّ أن تواضعوا ، حتى لا يفخر أحد على أحد ، ولا يبغي أحد على أحد » . ويقول : « طوبى لمن تواضع في غير مسكنة ، وأنفق مالا جمعه في غير معصية ، ورحم أهل الذل والمسكنة ، وخالط أهل الفقه والحكمة » . ويقول : « الشرف التواضع » . ويقول : « ما زاد اللّه عبدا بعفو إلا عزا ، وما تواضع أحد إلا رفعه » . ويقول : « أخبركم بمن تحرم
--> ( 1 ) واخفض جناحك : كن رحيما بهم عطوفا عليهم .