أحمد الشرباصي

59

موسوعة اخلاق القرآن

في التنور ، فيشرب العجين دسم الشاة ، وذلك العجين يسمونه كفن الشاة ) . ومن إيثار عائشة أنه لما طعن عمر بن الخطاب قال لابنه عبد اللّه : يا عبد اللّه بن عمر ، اذهب إلى أم المؤمنين عائشة فقل لها : يقرأ عمر بن الخطاب عليك السّلام . ثم سلها أن أدفن مع صاحبيّ ( يقصد النبيّ وأبا بكر ) . فقالت : كنت أريده لنفسي ، فلأوثرنه على نفسي ، فلما عاد عبد اللّه قال له أبوه : ما لديك ؟ . فأجاب : أذنت لك يا أمير المؤمنين . وفي غزوة اليرموك انطلق حذيفة العدوي بشربة ماء يبحث بها عن ابن عم له ليسقيه ، وهو يقول : إن كان به رمق سقيته . فوجده جريحا بين الحياة والموت ، فقال له : أسقيك ؟ . فأشار له برأسه أن نعم ، ثم رأى رجلا بجواره يردّد : آه آه . فأشار إلى ابن عمه ليذهب بالشربة إلى ذلك الرجل ، وكان هشام بن العاص ، فلما همّ هشام أن يشرب سمع ثالثا يردد : آه آه . فأمر الساقي بأن يذهب إليه بالماء ، فلما بلغه الساقي وجده قد مات ، فعاد إلى هشام فوجده قد مات ، فعاد إلى ابن عمه فوجده قد مات . وما أكثر الأمثلة الرائعة للإيثار في تاريخ السلف من أبناء الإسلام ، مما يعدّ في نظر العامة من الناس كالرّؤى أو الأحلام . * * * هذا ولقد اشترط بعض الصوفية في إيثارك الخلق على نفسك ألا يفسد عليك ذلك دينك ، أو يقطع طريق عبادتك وتقرّبك من اللّه ، ويقول ابن خبيق الأنطاكي : « إن استطعت ألا يسبقك أحد إلى مولاك فافعل ، ولا تؤثر على مولاك شيئا » . ولذلك كرهوا أن يؤثر الإنسان غيره بالجلوس في الصف الأول في الجماعات والجمع وما أشبه ذلك ، لأن الإيثار يكون في أمور الدنيا لا في الطاعات والقربات ، ولكن أبا حفص النيسابوري يقول : « الإيثار أن تقدم حظوظ الإخوان على حظك في أمر آخرتك ودنياك » . وقد يكون