أحمد الشرباصي
29
موسوعة اخلاق القرآن
ومن مادة « القسط » جاءت كلمة « القسطاس » بمعنى الميزان ، وفي الميزان معنى العدل كما عرفنا ، وقد يعبّر بكلمة القسطاس عن العدالة ، كما يعبّر عنها بكلمة الميزان ، ولذلك قال القرآن الكريم : « وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ » * . وضد العدل هو الظلم ، والظلم في الأصل هو وضع الشيء في غير موضعه المختص به ، إمّا بنقصان منه ، أو بزيادة عليه ، وإما بعدول عن وقته أو مكانه ، والظلم أيضا هو مجاوزة الحق والعدل ، سواء أكانت المجاوزة قليلة أو كثيرة فارتكاب الذنب الصغير يسمّى ظلما ، وارتكاب الكبيرة من الكبائر يسمّى ظلما كذلك ، وقد قسم بعض الحكماء الظلم إلى ثلاثة أنواع ، فهناك - كما يروي الأصفهاني - ظلم يقع من الانسان فيما بينه وبين ربه عز وجل ، وأعظم الظلم الذي يقع من الانسان هنا هو الكفر ، ولذلك قال القرآن الكريم : « إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ » وهناك ظلم بين الانسان والناس ، وهو الإساءة إليهم ، أو الاعتداء عليهم ، أو هضم حق من حقوقهم ، وفي القرآن المجيد : « إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ » . وهناك ظلم بين الانسان ونفسه ، وهو دفعها إلى ارتكاب الإثم ، والقرآن يقول : « وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ » . والظلم يأتي بمعنى الميل والجور عن الصراط المعتدل المستقيم ، كما جاء في الحديث : « لزموا الطريق فلم يظلموه » أي لم يعدلوا عنه ، ويقال : أخذ فلان في الطريق فما ظلم يمينا ولا شمالا ، أي لم يمل . وفي لفظ الظلم اشتراك مع لفظ الظلام ، والظلام سبب حيرة وضلال ، وهذا يذكّرنا بقول رسول اللّه صلوات اللّه وسلامه عليه : « الظلم ظلمات يوم القيامة » . ولقد تكرر ذكر الظلم في القرآن عشرات المرات في مواطن التحذير منه والتهديد لأهله ، والأمر بالابتعاد عنه ، فيقول : « وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ » ويقول : « فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ » . وقد نفى اللّه تبارك وتعالى الظلم عن ذاته فقال سبحانه : « وَما كانَ اللَّهُ