أحمد الشرباصي
27
موسوعة اخلاق القرآن
مطلقة ، ولذلك قال الفقهاء إن العدل المأمور به هنا هو العدل في النفقة والقسمة ما يستطيعه الإنسان . وهكذا نرى القرآن الكريم قد دعا إلى الاستمساك بالعدل في شتى مناحي الحياة ، وأعلمنا أولا أن العدل هو صفة اللّه جل جلاله ، وهو مهمة رسوله - صلّى اللّه عليه وسلّم - ثم أمرنا بالعدل في الحكم والعمل والقول والكتابة والشهادة والإصلاح بين المتنازعين وتقدير الجزاء ، ومع الزوجة ومع الذين توجد بيننا وبينهم عداوة ، وبهذا تكون دعوة الاسلام إلى العدل دعوة شاملة واسعة النطاق . ولأن العدل يحتاج إلى دقة ويقظة وتقدير عبّر القرآن الكريم عن العدل بكلمة « الْمِيزان » ، فقال اللّه - تبارك وتعالى - : « اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ » وقال « لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ » . وقد جاء في « تفسير المنار » العبارة التالية تعليقا على هذه الآية الكريمة : « خير الناس من يصدهم عن الظلم والعدوان هداية القرآن ، ويليهم من يصدهم العدل الذي يقيمه السلطان ، وشرّهم من لا علاج له إلا السيف والسّنان ، وهذا هو المراد بالحديد ، فقوام صلاح العالم بالايمان بالكتاب الذي يحرّم الظلم وسائر المفاسد ، فيتجنبها المؤمن خوفا من عذاب اللّه في الدنيا والآخرة ورجاء في ثوابه فيهما ؛ وبالعدل في الأحكام الذي يردع الناس عن الظلم بعقاب السلطان . ويؤيد قاعدة إقامة العدل ما ورد في تحريم الظلم والوعيد الشديد عليه ، فقد ذكر الظلم في مئات من آيات القرآن أسوأ الذكر ، وقرن في بعضها بأسوأ العواقب في الدنيا والآخرة ، وأن الجزاء عليه فيهما أثر لازم له لزوم المعلول للعلة ، والمسبب للسبب ، وأن الناس هم الذين يظلمون أنفسهم : « وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً » ، ومن أثره وعاقبته في الدنيا أنه مهلك الأمم ومخرّب العمران ، قال تعالى : « وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ » . . أما ما كان من