أحمد الشرباصي
18
موسوعة اخلاق القرآن
مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ ، وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً » . وفي موطن آخر يقول لهم : « فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ » . وليست هذه دعوة إلى بغي أو طغيان ، وإنما يعوّد القرآن أتباعه أن يكونوا أولا على حيطة وحذر ، فيقووا أنفسهم بكل وسائل التقوية والتحصين ، حتى يكونوا أصحاب رهبة في نفوس أعدائهم ، وإلّا تطاولوا عليهم وعصفوا بهم ، ومن هنا قال : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ » . ويقول : « وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً » . ويقول : « وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ » . وإذا شاءت الأقدار يوما أن يلتقي المؤمنون في معركة مع الكافرين ، فالواجب حينئذ على كل مؤمن أن يظل عزيزا قويا ، وأن يثبت على مبادئه وعقائده ، لا يخيفه الألم ولا التعب ، بل يبذل جهده وطاقته ، مستخدما كلّ ما أعده قبل ذلك من سلاح وعتاد ، واثقا أنه مربوط الأسباب باللّه القوي القادر ؛ وإذا شاء اللّه تعالى له لونا من ألوان الاختبار والابتلاء ، تحمله راضيا صابرا ، محتفظا بعزته وكرامته وشهامته ، موقنا بأن احتمال الألم خير ألف مرة من التخاذل والاستسلام : « وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ ، وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ، الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ، أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ » . والإسلام - مع هذا - يدعو أتباعه إلى السّلام العادل المنصف ، الذي لا ينطوي على ضيم أو ذل ، ويدعوهم أن يغفروا الهفوة إذا كانت عن غير تعمد أو كانت لا تبلغ مبلغ الإهانة ، أو لا تخدش العزة والكرامة ، أما إذا كانت الخطيئة بغيا فعلاجها الرد عليها بما يغسل العار ، ويدفع الضيم ، ويصون الكرامة ، ولذلك يقول التنزيل المجيد : « وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ، وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها ، فَمَنْ