أحمد الشرباصي
255
موسوعة اخلاق القرآن
فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ، دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ : لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ، فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ، ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » . * * ويرى الصوفية أن الإنابة تستلزم ثلاثة أشياء : أولها : الخروج من التبعات » ، وذلك يكون بالتوبة من الذنوب التي تكون بين العبد وربه ، وبأداء الحقوق التي تكون عليه للخلق ، وثانيها « التوجع للعثرات » ومعناه أن يتوجع قلبه ويتصدع إذا أذنب أو هفا ، لأن هذا الألم هو برهان الإنابة والرجوع ، وأما جامد القلب الذي لا يتألم من ذنبه فإنه فاسد الطبع ميت القلب ، وكذلك يتوجع ويتألم إذا رأى أخاه المؤمن قد وقع في إثم ، حتى كأن الشخص المنيب هو الذي ارتكب الإثم ، وثالثها « استدراك الفائتات » أي تدارك ما فاته من قربات وطاعات ، بأن يجتهد في أداء الأعمال الصالحة ، وبذلك الاجتهاد يستدرك ما فات ، ويحيي ما أمات . ويقول هنا ابن القيم : « ومن علامات الإنابة ترك الاستهانة بأهل الغفلة والخوف عليهم ، مع عدم فتح باب الرجاء لنفسك ، فترجو لنفسك الرحمة ، وتخشى على أهل الغفلة النقمة ، ولكن ارج لهم الرحمة ، واخش على نفسك النقمة ، وإن كنت لا بد مستهينا بهم ماقتا لهم ، لانكشاف أحوالهم لك ، ورؤية ما هم عليه ، فكن لنفسك أشدّ مقتا منك ، وكن أرجى لهم لرحمة اللّه منك لنفسك » . قال بعض السلف : « لن تفقه كلّ الفقه حتى تمقت الناس في ذات اللّه ، ثم ترجع إلى نفسك فتكون لها أشدّ مقتا . وهذا الكلام لا يفقه معناه إلّا الفقيه في دين اللّه ، فإن من شهد حقيقة الخلق وعجزهم وضعفهم وتقصيرهم ، بل