أحمد الشرباصي

12

موسوعة اخلاق القرآن

ثم يتأكد من وجه أدائه ، أو حالة أدائه ، أيؤديه عن علم ، أم يؤديه بجهل أو ظن ، ثم يتأكد أيضا من توافر الاخلاص في أدائه ، وأنه لا يريد به المراءاة للعباد ، ولذلك روى أبو نعيم في كتابه « الحلية » أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم قال : « إن اللّه يحب البصر الناقد عند ورود الشبهات » . وكذلك قال : « ثلاث من كنّ فيه فقد استكمل إيمانه : لا يخاف في اللّه لومة لائم ، ولا يرائي بشيء من عمله ، وإذا عرض له أمران أحدهما للدنيا والآخر للآخرة آثر الآخرة على الدنيا » . والمراقبة السويّة قد تبلغ عند المؤمن رتبة تجعله يتذكر على الدوام أن اللّه تعالى مراقب له ، فيراقب المؤمن مراقبة اللّه له ، حتى يتجرد من الشهوات فتتابع إرادته إرادة ربه في كل صغيرة وكبيرة ، فلا يكون منه اعتراض على شيء مما شرعه اللّه أو دعا إليه أو أمر به ، ولا يكون منه في الدين رأي أو خاطر يستحسن شيئا حراما ، أو يستقبح شيئا شرعه اللّه عز وجل ، فهو لا يحكّم شهوته ولا عقله ولا مصلحته ولا تأويله فيما شرع اللّه ، بل يتلقى كل ذلك بالرضى والقبول ، ومن هنا قال ابن عطاء اللّه : أفضل الطاعات مراقبة الحق على دوام الأوقات . وقال ذو النون : علامة المراقبة إيثار ما أنزل اللّه ، وتعظيم ما عظّم اللّه ، وتصغير ما صغّر اللّه . ومتى تحققت عند الانسان فضيلة المراقبة فقد حرص على أداء حقوق اللّه وحقوق العباد وحقوق الأشياء كلّها بإتقان وإحسان . وما أحوج مجتمعاتنا إلى وجود هذه الفضيلة بين الأفراد واجماعات ، لأن انعدام وازع المراقبة في نفس الانسان يجعله شبيها بالحيوان ، يرتع ليتمتع ، ويجمع لينتفع ، ويسطو على حقوق غيره ، وينتهك حرمات سواه ، ويسيء استخدام حقوق نفسه ، وبذلك تفشو الرذائل ، وتضمر الفضائل ، ويتعامل الناس بشرعة الغاب دون ارعواء أو حساب . ولو وجدت فضيلة المراقبة عند الانسان لجعلته أمينا على الأعراض لا يدنو منها ، ولو كان السبيل إليها ميسّرة