أحمد الشرباصي
221
موسوعة اخلاق القرآن
الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ » . وجاء في سورة النازعات : « فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً » والمراد بالمدبرات أمرا هنا الملائكة الموكلة بتدبير الأمور ، أو الملائكة المدبرات أمر الدنيا بإذن اللّه تعالى . ويرى الإمام محمد عبده أنها الكواكب التي انفردت بتدبير بعض الأمور الكونية في عالمنا الأرضي ، وليس التدبير هنا إلا ظهور الأثر ، ونسبة التدبير إليها لأنها أسباب ما نستفيده منها ، والمدبر الحكيم هو اللّه جل شأنه . وقد وردت مادة « التدبر » في آيات من القرآن المجيد ، ففي سورة النساء : « أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ، وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً » . أي : ألا يتأملون معانيه ويتبصرون ما فيه ؟ أفلا يتدبرون كتاب اللّه تعالى ، فيعلموا انه كلام اللّه ، لاتّساق معانيه ، وائتلاف أحكامه ، وتأييد بعضه بعضا بالتصديق ، وشهادة بعضه لبعض بالتحقيق ، لأن القرآن لا يكذّب بعضه بعضا ولا ينقض بعضه بعضا ، وما يجهله بعض الناس من أمره هو من قلة علمهم وتقصير عقولهم . ويتعرض السيد رشيد رضا لتفسير هذه الآية الكريمة بما يكشف عن مكانة فضيلة التدبر بين الفضائل الاسلامية القرآنية فيقول : « والمعنى : جهل هؤلاء حقيقة الرسالة وكنه هذه الهداية . أفلا يتدبرون القرآن الذي يدل على حقيقتها ، وعاقبة المؤمنين بها ، والجاحدين لها ، فيعرفوا انه الحق من ربهم ، وان ما أنذر به الكافرين والمنافقين واقع بهم ، لأنه كما صدق فيما أخبر به عما يبيّتون في أنفسهم ، وما يثنون عليه صدورهم ، ويطوون عليه سرائرهم ، يصدق كذلك فيما يخبر به من سوء مصيرهم ، وكون العاقبة للمتقين الصادقين ، والخزي والسوء على الكافرين والمنافقين ، بل لو تدبروه حق التدبر لعلموا أنه يهدي إلى الحق ، ويأمر بالخير والرشد ، وأن عاقبة ذلك لا تكون إلا بالفوز والفلاح ، والصلاح والإصلاح . فإذا كانوا لاستحواذ الباطل والغيّ عليهم - لا يدركون كنه هداية هذا القرآن في ذاتها ، أفلم يأن لهم أن يدركوا من خصائصه ومزاياه ، أنه لا يمكن أن يكون إلا من عند اللّه ؟ . ولو كان من عند غير اللّه لوجدوا فيه اختلافا