أحمد الشرباصي
205
موسوعة اخلاق القرآن
فيقول في ختام سورة النحل : « إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ » . ويذكر أيضا ان من شأن التقوى ان يكون صاحبها يقظا فطنا ، فيقول في سورة الأحزاب مخاطبا نساء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً » . ثم يذكر في سورة آل عمران مجموعة من علامات التقوى ، فيورد ستّ علامات أو صفات ، وهي الانفاق في حالتي الغنى والضيق ، وكظم الغيظ وهو أشد حالات الغضب ، أي إمساك ما في النفس بالصبر ، ولذلك يروى أن خادما للسيدة عائشة غاظتها يوما فقالت عائشة : « للّه درّ التقوى ، ما تركت لذي غيظ شفاء » . والعلامة الثالثة للمتقين العفو عن الناس ، وترك مؤاخذتهم على هفواتهم ، والعلامة الرابعة الإحسان ، والخامسة المسارعة إلى الاستغفار من الذنب ، والسادسة عدم الإصرار على المعصية ولو صغرت ، يقول اللّه تعالى في ذلك : « وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ، الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ، وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ، أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ » . وحينما تعرض السيد رشيد رضا لهذه الآيات في تفسيره ذكر أن هناك مرتبة دنيا لعامة المؤمنين المتقين المستحقين للجنة ، وهي أن يتذكروا عند الذنب : النّهي والعقوبة ، فيسارعوا إلى التوبة ، ثم يشير إلى أن هناك مرتبة أسمى من المرتبة السابقة فيقول : « ومرتبة عليا لخواصّ المتقين ، وهي ان يذكروا إذا فرط منهم ذنب ذلك المقام الإلهي الأعلى المنزّه عن النقص الذي هو مصدر كل كمال ، وما يجب من طلب قربه بالمعرفة والتخلق الذي هو منتهى الآمال ، فإذا هم تذكروا انصرف عنهم طائف الشيطان ، ووجدوا نفس الرحمن ، فرجعوا إليه طالبين مغفرته : راجين رحمته ، ملتزمين سنته ، واردين شرعته ، عالمين