أحمد الشرباصي

194

موسوعة اخلاق القرآن

لا يستحي في بلد غربته كما يستحي إذا كان بين أهله ومعارفه ، وهو حينئذ مملوك ، والمملوك لا يكون له في العادة ما للحر من وازع ، والتي تغريه بالفاحشة امرأة ذات جمال وإغراء ، وهي سيدته التي تأمره ، وعليه في عرف الناس أن يطيع ، وهي التي تدعوه وتحرّضه في حرص وشغف ، وهي تتوعده وتنذره بالعذاب إن لم يستجب لهواها ، ومع ذلك أبى وأعرض ، وصبر اختيارا وإيثارا لما عند اللّه : « وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ ، قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ، وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ، كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ ، إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ » * * [ ظن الناس بأن الصبر خلق سلبي ] وكثير من الناس يظنون أو يزعمون أن الصبر خلق سلبي ، وأن معناه الاستسلام والرضى بالواقع والكف عن معالجة الأمور والاحتيال للخروج من الشدائد والأزمات ، وهذا فهم خاطىء ووهم فاسد ، فالصبر كما يكون جهدا نفسيا للتأبي على المعاصي والابتعاد عن السيئات ، يكون في كثير من الأحيان جهدا عمليا إيجابيا ، فيه حركة ، وفيه سعي ، وفيه انتاج ، وفيه تحمل للتبعات وتعرض لجلائل الأعمال ومواقف الأبطال ، وقد فهم ذلك البصراء من أعلام هذه الأمة ، حتى في المجال الصوفي الذي يقال عنه إنه يميل إلى السلبية والرضى بالواقع ، ففي الأدب الصوفي جاء قولهم : « الصبر تعويد النفس الهجوم على المكاره » . وجاء فيه أيضا قولهم : « تجرّع الصبر ( احتمله ) فإن قتلك قتلك شهيدا ، وإن أحياك أحياك عزيزا » . وكذلك قال عمرو بن عثمان : « الصبر الثبات مع اللّه ، وتلقّي بلانه بالرحب والدعه » . والصبر لا يناقض الإحساس بالألم ، لأن هذا الاحساس أمر طبيعي ليس معيبا ، وإنما المعيب هو الخضوع لهذا الإحساس والرضا به ، أو الاستجابة