أحمد الشرباصي

179

موسوعة اخلاق القرآن

والباطل ، فيقول في سورة الإسراء : « قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً ، وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا ، وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً » . أي يزيدهم القرآن خشوعا ، لأنه يزيدهم علما ويقينا باللّه تعالى . كما يجعل القرآن الكريم الخشوع من أخلاق المؤمنين الذين يعرفون الحق فيتبعونه ، ولا يرضون به بديلا ، فيقول في سورة آل عمران : « وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا : أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ » . كما يخبرنا كتاب اللّه العزيز أن الخشوع من أخلاق الأنبياء وآلهم ، فيقول في سورة الأنبياء : « وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ : رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ ، فَاسْتَجَبْنا لَهُ ، وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى ، وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ ، وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً ، وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ » . وكأن القرآن يريد أن يقول إن الخشوع ثمرته تحقيق المراد ونيل المأمول ، فهو يشعرنا بأن هؤلاء الأكرمين قد نالوا ما نالوه بفضل هذا الخلق العظيم : خلق الخشوع . * * * وإذا كان القرآن المجيد قد حدثنا هذا الحديث الواعظ عن خلق الخشوع الحميد ، فإنه إلى جوار ذلك قد حدثنا عن لون من الخشوع تأبى عدالة اللّه إلا أن تلجىء إليه الأشرار إلجاء ، ليكون إشعارا بذلهم وهوانهم على اللّه جل جلاله ، فيقول عن المشركين مثلا في سورة القلم : « يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ ، خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ » . أي يوم يشتد الأمر ، ويصعب الخطب ، لأن كشف الساق كناية عن شدة الهول ، ويدعى هؤلاء المشركون إلى السجود ، فلا يستطيعون لزوال القدرة منهم ، أو لفوات وقت السجود ، ويبدو عليهم خشوع وخضوع يظهران في أبصارهم ، وتلحقهم ذلة وهوان .