أحمد الشرباصي
155
موسوعة اخلاق القرآن
استشعاره ، وقيل : هو قوة العلم بمجاري الأحكام . ولقد تكررت الدعوة إلى الخوف من اللّه عز وجل في القرآن الكريم ، فجاء قوله تعالى : « وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً » . وقال : « إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » . وأكد كتاب اللّه المجيد توجيهه إلى الخوف من مقام اللّه جل جلاله ، فقال : « وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ » . وقال : « وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى » . وقال : « وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ، ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ » . والمقام في الأصل هو مصدر القيام ، وهو أيضا مكان القيام وزمانه ، ولقد قيل في تفسير « مقام اللّه » قولان ، أولهما أنه المقام الذي يقوم فيه العبد بين يدي ربه لعبادته ، كما يقال هذا معبد اللّه ، وهذا معبد الباري ، أي المكان الذي يقوم فيه العبد بعبادة اللّه تعالى . والقول الآخر أن مقام اللّه تعالى يراد به الموضع الذي يقوم اللّه فيه على عباده ، وهو غير محدود ، وذلك يدل عليه قوله تعالى : « أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ » أي حافظ ومطّلع . وقد كرر القرآن ذكر الخوف من يوم الحساب والجزاء ، وهو يوم القيامة ، فقال في سورة هود : « إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ، ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ » ، وقال في سورة الرعد : « وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ » . وقال في سورة الأنعام « قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ » . وقال في سورة الانسان : « إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً » « 1 » . وهذا الخوف الذي يدعو اليه القرآن ويمجّد شأنه إنما هو الخوف القائم على المراقبة للّه ، والخضوع لأمره ، والخشية من عقابه ، وليس معنى هذا أن القرآن يرتضي لأهله الخوف بمعنى الذل أو الهوان ، أو تهيب أحد من الناس ،
--> ( 1 ) قمطريرا : شديد العبوس .