أحمد الشرباصي
151
موسوعة اخلاق القرآن
والعبودية حين تتحقق لصاحبها على حقيقتها ووجهها السليم الكريم تجعله من حزب الأتقياء الأوفياء المسارعين إلى المغفرة والطاعة ، والذين يصفهم الإمام علي في « نهج البلاغة » فيقول عنهم فيما يقول : « قلوبهم محزونة ، وشرورهم مأمونة ، وأجسادهم نحيفة ، وحاجاتهم خفيفة وأنفسهم عفيفة ، صبروا أياما قصيرة أعقبتهم راحة طويلة ، تجارة مربحة يسّرها لهم ربهم . أرادتهم الدنيا فلم يريدوها ، وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها ، أما الليل فصافّون أقدامهم ، تالين لأجزاء القرآن ، يرتلونه ترتيلا ، يحزنون به أنفسهم ، ويستثيرون دواء دائهم . فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا ، وتطلعت نفوسهم إليها شوقا ، وظنوا أنها نصب أعينهم . وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم ، وظنوا أن زفير جهنم وشهيقها في أصول آذانهم ، فهم حانون على أوساطهم ، مفترشون لجباههم وأكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم ، يطّلبون إلى اللّه تعالى في فكاك رقابهم . وأما النهار فحلماء علماء ، أبرار أتقياء ، قد براهم الخوف بري القداح ( السهام ) ، ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى ، وما بالقوم من مرض ، ويقول قد خولطوا ( جنّوا ) ولقد خالطهم أمر عظيم . لا يرضون من أعمالهم القليل ، ولا يستكثرون الكثير ، فهم لأنفسهم متهمون ، ومن أعمالهم مشفقون ، إذا زكّي أحدهم خاف مما يقال له ، فيقول : أنا أعلم بنفسي من غيري ، وربي أعلم بي مني بنفسي ، اللهم لا تؤاخذني بما يقولون ، واجعلني أفضل مما يظنون ، واغفر لي ما لا يعلمون » الخ . * * ثم يأتي حديث الصوفية عن فضيلة « العبودية » ، فإذا هو حديث الذين يريدون أن نفهم عنهم أن العبودية ليست مجرد القيام بالشعائر والعبادات ، ولا مجرد الترديد للأوراد والأحزاب ، ولا مجرد الظهور بالخشوع والهدوء ، وإنما