أحمد الشرباصي
141
موسوعة اخلاق القرآن
ولقد حض القرآن الكريم على فضيلة التذكر ، وأمر بها ، وندب إليها ، ورغّب فيها ، فجاء في سورتي الأنعام والسجدة قوله : « أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ » ، * وجاء قوله : « أَ فَلا تَذَكَّرُونَ » * سبع مرات ، وجاء قوله : « لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ » * ست مرات ، وجاء قوله : « لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ » . . . * الخ . ويتنقل القرآن إلى أسلوب آخر من أساليب الحث على التذكر والدعوة إليه ، ولفت البصائر لشأنه ، فيقول : « كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ ، فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ » . وكتاب اللّه الحكيم يرشدنا إلى أن التذكر القويم يحتاج إلى فهم ووعي وتبصر ، حتى ينتفع الإنسان بالتذكرة ويستجيب لها على وجه سليم ، ولذلك يقول القرآن ضمن صفات عباد الرحمن المذكورة في سورة الفرقان : « وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً » والمعنى كما يقول المفسرون أنهم لم يقيموا عليها غير وأعين لها ، ولا متبصرين بما فيها ، كمن لا يسمع ولا يبصر بل أكبوا عليها سامعين بآذان واعية ، مبصرين بعيون واعية ، فالمراد من النفي هنا نفي الحال لا نفي الفعل . ولذلك كان من شأن أهل التذكر البصير أن يسارعوا إلى مواطن العبادة والطاعة . حينما تنفحهم نفحات الذكرى والتذكرة ، كما يقول الحق في سورة السجدة : « إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً ، وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ، وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ، تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً ، وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ، فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ، أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ » . وأهل التذكر والذكرى ليسوا كل من هبّ ودب ، بل هم خواص لهم صفات إذا تحلوا بها جاءتهم الذكرى على وجهها فنفعت وأفادت ، ومن هذه الصفات أن يكونوا أصحاب عقل خالص من الشوائب . ولذلك كرر القرآن قوله : « إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ » ، * وأن يكونوا أهل استجابة بقلوبهم وأسماعهم ، ولذلك يقول القرآن في سورة ق : « إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ » ، وأن يكونوا من أهل الإنابة ، وهي الرجوع إلى اللّه بالتوبة