أحمد الشرباصي

136

موسوعة اخلاق القرآن

يجود ، وطالب للدنيا والموت يطلبه ، وغافل وليس بمغفول عنه ، وعلى أثر الماضي يمضي الباقي » . وفي موطن ثالث يقول : « إن الأمور إذا اشتبهت اعتبر آخرها بأولها » . ويعلق على هذا ابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة فيقول : « وذلك ان المقدمات تدل على النتائج ، والأسباب تدل على المسببات ، وطالما كان الشيئان ليسا علة ومعلولا ، وإنما بينهما أدنى تناسب ، فيستدل بحال أحدهما على حال الآخر ، وإذا كان كذلك . واشتبهت أمور على العاقل الفطن ، ولم يعلم إلى ما ذا تؤول ، فإنه يستدل على عواقبها بأوائلها ، وعلى خواتمها بفواتحها ، كالرعية ذات السلطان الركيك الضعيف السياسة ، إذا ابتدأت أمور مملكته تضطرب ، واستبهم على العاقل كيف يكون الحال في المستقبل ، فإنه يجب عليه أن يعتبر أواخرها بأوائلها . ويعلم أنه سيفضي أمر ذلك الملك إلى انتشار وانحلال في مستقبل الوقت ، لأن الحركات الأولى منذرة بذلك ، وواعدة بوقوعه ، وهذا واضح » . وفي موطن رابع يقول الإمام علي « من حاسب نفسه ربح ، ومن غفل عنها خسر ، ومن خاف أمن ، ومن اعتبر أبصر ، ومن أبصر فهم ، ومن فهم علم » . ويعلق ابن أبي الحديد بأنه قد جاء في الحديث المرفوع : « حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا » . وقوله : « من خاف أمن » أي من اتقى اللّه أمن عذابه يوم القيامة . وقوله : « ومن اعتبر أبصر » أي من قاس الأمور بعضها ببعض ، واتعط بآيات اللّه وأيامه ، أضاءت بصيرته ، ومن أضاءت بصيرته فهم ، ومن فهم علم . فان قيل : الفهم هو العلم فما الحاجة إلى أن يقول : ومن فهم علم ؟ فالجواب : إن الفهم هاهنا هو معرفة المقدمات ، ولا بد أن تعقب معرفة المقدمات معرفة النتيجة ، فمعرفة النتيجة هي العلم ، فكأنه قال : من اعتبر تنور قلبه بنور اللّه تعالى ، ومن تنور قلبه عقل المقدمات البرهانية ، ومن عقل المقدمات البرهانية علم النتيجة الواجبة عنها ، وتلك هي الثمرة الشريفة التي في مثلها يتنافس المتنافسون .