أحمد الشرباصي

133

موسوعة اخلاق القرآن

بعد حبسه في السجن ، وتمليكه مصر بعد أن كانوا يظنون به أنه عبد لهم ، وجمعه مع والديه وإخوته على ما أحبّ ، بعد المدة الطويلة ، لقادر على إعزاز محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وإعلاء كلمته . الثاني : أن الإخبار عنه جار مجرى الإخبار عن الغيب ، فيكون معجزة دالة على صدق محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . الثالث : أنه ذكر في أول السورة : ( نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ) ، ثم ذكر في آخرها : ( لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ) تنبيها على أن حسن هذه القصة إنما كان بسبب أنه يحصل منها العبرة ومعرفة الحكمة والقدرة . والمراد من قصصهم قصة يوسف عليه السّلام وإخوته وأبيه ؛ ومن الناس من قال : المراد قصص الرسل ، لأنه تقدّم في القرآن ذكر قصص سائر الرسل : إلا أن الأولى أن يكون المراد قصة يوسف عليه السّلام . فإن قيل : لم قال عبرة لأولي الألباب ، مع أن قوم محمد صلّى اللّه عليه وسلّم كانوا ذوي عقول وأحلام ، وقد كان الكثير منهم يعتبر بذلك ؟ قلنا : إن جميعهم كانوا متمكنين من الاعتبار . والمراد من وصف هذه القصة بكونها عبرة كونها بحيث يمكن أن يعتبر بها العاقل . أو نقول : المراد من أولي الألباب الذين اعتبروا وتفكروا وتأملوا فيها ، وانتفعوا بمعرفتها ، لأن أولي الألباب لفظ يدل على المدح والثناء ، فلا يليق إلا بما ذكرنا » . ونحن نفهم من هذا البيان أن فضيلة الاعتبار بالوقائع والأحداث والأخبار الماضية أو اللاحقة إنما هي من نصيب العقلاء الفضلاء الذين ينظرون ويتفكرون ويتدبرون ، فتتأثر قلوبهم وألبابهم بما علموا أو شاهدوا ، وتستجيب أرواحهم لدواعي الخير والبر ، وتنصرف نفوسهم عن وساوس الشر ودواعي الإثم . ونفهم أيضا أن خير ما يبث أضواء الاعتبار في صدر الانسان العاقل هو ما قصه القرآن المجيد من قصص وانباء ، فخير الحديث كتاب اللّه جل وعلا ، ومن أصدق من اللّه حديثا . ونفهم كذلك أن من يمر على العظة أو العبرة ، دون أن يدركها أو يتأثر بها