أحمد الشرباصي

127

موسوعة اخلاق القرآن

سورة الأنبياء : « وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ » إلى غير ذلك من الآيات . ولقد تحدث رسول اللّه صلوات اللّه وسلامه عليه عن صفة الرحمة في نفسه الشريفة ، فجاء عنه أكثر من حديث حول هذه الصفة ، فقال : « أنا رحمة مهداة » . وقال : « إنما بعثت رحمة ولم أبعث لعانا » . وحبب في الرحمة ، وذكّر بثوابها وحسن عاقبتها ، فقال : « الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى » . وقال : « إنما يرحم اللّه من عباده الرحماء » . وقال : « ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء » . وقال : « من رحم ولو ذبيحة عصفور رحمه اللّه يوم القيامة » . وأنذر من يتنكر لفضيلة الرحمة ، فقال : « لا تنزع الرحمة إلا من شقي » وقال : « ليس منا من لم يرحم صغيرنا ولم يوقر كبيرنا » . وكأن الإمام علي بن أبي طالب اهتدى بهذا الهدي النبوي فقال في « نهج البلاغة » هذه العبارة : « ليتأس صغيركم بكبيركم ، وليرأف كبيركم بصغيركم » . وما أكثر المواقف التي تجلت فيها رحمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ويكفي أن يعود الانسان إلى كتاب مبسوط من كتب السيرة أو الشمائل ، ليجد الفيض الكبير الكريم من الأدلة والشواهد على رحمة رسول اللّه عليه الصلاة والسّلام التي اتسعت وانفسحت ، حتى شملت الجوانب العديدة من الحياة والاحياء . لقد رحم الصغير والكبير ، ورحم القريب والبعيد ، ورحم الراشد والشارد ، ورحم الصديق والعدو ، ورحم الانسان والحيوان ، وحسبنا أن نتذكر هنا أنه القائل : « دخلت امرأة النار في هرة حبستها ، فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض « 1 » » وهو الذي أخبر بمغفرة اللّه تعالى لامرأة خاطئة بسبب رحمتها كلبا استبد به العطش فسقته . ولقد بلغ من رحمته أنه كان يصلي بالناس رجالا ونساء ، وفي نيته أن يطيل صلاته استلذاذا لها ، واستغراقا فيها ، واستبشارا بها ، ولكنه يسمع بكاء طفل ، فيخفف في صلاته رحمة بالطفل الباكي ، لعله في حاجة إلى رعاية ، ورحمة

--> ( 1 ) خشاش الأرض : ما يصلح لأكلها مما هو مطروح على الأرض .