أحمد الشرباصي
125
موسوعة اخلاق القرآن
المودة والتواصل ، وعن فساد العلاقات . ويدل على جلال صفة « الرحمة » أنها صفة من صفات اللّه عز وجل ، وقد ذكر القرآن الكريم ذلك في جملة آيات ، فقال في سورة الأنعام : « كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ » . وفيها : « وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ » وفي سورة يوسف : « فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ » وفي سورة المؤمنون : « وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ » وفي سورة غافر : « رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً » وهناك عشرات من الآيات الكريمة جاء فيها وصف اللّه تعالى بالرحمة . ونجد كل سورة من سور القرآن الكريم مبدوءة بقول اللّه جل جلاله : « بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ » * . ولفظ الرَّحْمنِ * كما يقول بعض المفسرين يدل على من تصدر عنه آثار الرحمة بالفعل ، وهي إفاضة النعم والاحسان ، ولفظ الرحيم يدل على منشأ هذه الرحمة والاحسان ، على أنها من الصفات الثابتة الواجبة ، فالرحمن هو المفيض للنعم بسعة وتجدد لا منتهى لهما ، والرحمن هو الثابت له وصف الرحمة لا يزايله أبدا . ويقول الإمام محمد عبده : « الرحمن الرحيم مشتقان من الرحمة ، وهي معنى يلم بالقلب فيبعث صاحبه ، ويحمله على الاحسان إلى غيره ، وهو محال على اللّه تعالى بالمعنى المعروف عند البشر ، لأنه في البشر ألم في النفس شفاؤه الإحسان ، واللّه تعالى منزه عن الآلام والانفعالات فالمعنى المقصود بالنسبة اليه من الرحمة أثرها وهو الاحسان » . وبعض العلماء يرى أن كلمة « الرَّحْمنِ » * تفيد معنى الرحمة الشاملة التي تشمل المؤمنين وغيرهم ، وأن كلمة « الرَّحِيمِ » * تفيد معنى الرحمة المقصورة على المؤمنين ، ولذلك يقال : اللّه تعالى رحمن الدنيا رحيم الآخرة ، وذلك أن إحسانه في الدنيا يعم المؤمنين والكافرين ، وفي الآخرة يختص بالمؤمنين ، وعلى هذا قال القرآن المجيد : « وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ » تنبيها على أنها في الدنيا عامة للمؤمنين والكافرين ، وأنها في الآخرة مختصة بالمؤمنين .