أحمد الشرباصي
89
موسوعة اخلاق القرآن
ما سَقَيْتَ لَنا » . وقد تعرض المفسرون لمعنى الحياء أو الاستحياء في هذه الآيات ، فقالوا في معنى الآية الأولى : « إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي » : اي لا يدع ولا يترك ولا يمتنع ، لأن الانسان إذا استحيا من شيء تركه وامتنع عنه ، وقيل : إن المعنى هو ان الشيء الذي يستحيى منه يكون قبيحا في نفسه ، ويكون لفاعله عيب في فعله ، فأخبر اللّه تعالى بأن ضرب الأمثال ليس بقبيح ولا بعيب حتى يستحيى منه . وقالوا في الآية الثانية : « فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ » إن المعنى هو انها جاءت نحوه وقد سترت وجهها بثوبها ، أو بيدها ، أو جاءت ماشية على بعد مائلة عن الرجال ، أو جاءته وهي على إجلال له وإكبار . وقالوا في الآية الثالثة : « إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ » ان هذه الآية قد نزلت في شأن قوم كانوا يتحيّنون وقت اطعام النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فيدخلون بيته ، ويقعدون منتظرين إدراك الطعام ، ثم يأخذ بعضهم يحدّث بعضا مطيلين الجلوس والحديث ، وكان هذا يؤذي النبي عليه الصلاة والسّلام ، لتضييق الدار عليه وعلى أهله ، ولصرفه عن شؤونه ، وكان النبي يستحيي من دعوتهم إلى الخروج ، ولكن اللّه تعالى لا يترك التنبيه على ذلك لأنه حق . ومن هذا الاستعراض السريع لآيات الحياء في القرآن الكريم نفهم ان الحياء جاء مرة منسوبا إلى اللّه عز وجل ، ومرة منسوبا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ومرة منسوبا إلى احدى الفتيات الطاهرات العفيفات . وإلى جوار الآيات التي ذكرت مادة « حياء » صراحة ، جاءت آيات ترمز لي الحياء وتشير نحوه ، وهي الآيات التي تذكّر الانسان باطّلاع اللّه على كل أحواله وأموره ، فإن استحضار ذلك في نفس المؤمن يجعلها متجملة بالحياء والحشمة ، كقوله تعالى : « إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ، أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ » . وقوله « أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى » . وقوله : « يَعْلَمُ خائِنَةَ