أحمد بن محمد الإسكندري المالكي
10
الإنصاف فيما تضمنه الكشاف
أشد عليه ، فإن إطلاق التخييل قد مضى له في مثل قوله - والأرض جميعا قبضته يوم القيامة - وفى مثل قوله - بل يداه مبسوطتان - وإنما أراد به حمل الأيدي على نوع من المجاز ، فمعنى كلامه صحيح لأنا نعتقد فيهما المجاز وندين الله بتقديسه عن المفهوم الحقيقي فلا بأس عليه في معنى إطلاقه ، غير أنا مخاطبون باجتناب الألفاظ الموهمة في حق جلال الله تعالى وإن كانت معانيها صحيحة ، وأي إيهام أشد من إيهام لفظ التخييل ، ألا ترى كيف استعمله الله فيما أخبر أنه سحر وباطل في قوله - يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى - فلا يشك في وجوب اجتنابه ، ثم يعود بنا الكلام إلى إطلاقه ههنا فنقول : هو منكر لفظا ومعنى ، أما اللفظ فقد تقدم ، وأما المعنى فلأنا نعتقد أن سؤال جهنم وجوابها حقيقة وأن الله تعالى يخلق فيها الإدراك بذلك بشرطه ، وكيف نفرض وقد وردت الاخبار وتظاهرت على ذلك : منها هذا ، ومنها لجاج الجنة والنار ، ومنها اشتكاؤها إلى ربها فأذن لها في نفسين ، وهذه وإن لم تكن نصوصا فظواهر يجب حملها على حقائقها لأنا متعبدون باعتقاد الظاهر مالم يمنع مانع ، ولا مانع ههنا فإن القدرة صالحة والعقل يجوز والظواهر قاضية بوقوع ما صوره العقل ، وقد وقع مثل هذا قطعا في الدنيا كتسليم الشجر وتسبيح الحصا وفى كف النبي صلى الله عليه وسلم وفى يد أصحابه ، ولو فتح باب المجاز والعدول عن الظاهر في تفاصيل المقالة لاتسع الخرق وضل كثير من الخلق عن الحق ، وليس هذا كالظواهر الواردة في الإلهيات مما لم يجوز العقل اعتقاد ظاهرها ، فإن العدول فيها عن ظاهر الكلام بضرورة الانقياد إلى أدلة العقل المرشدة إلى المعتقد الحق فاشدد يدك بما فصل في هذا الفصل مما أرشدتك به إلى منهج القرب والوصل ، والله الموفق . قوله تعالى ( من خشي الرحمن بالغيب ) قال فيه : إن قلت : كيف قرن الخشية باسمه الدال على سعة الرحمن الخ ؟ )