السيد رضا الصدر
83
محمد ( ص ) في القرآن
أمر اللّه محمّدا صلّى اللّه عليه وآله بالتوكّل عليه إذا عزم ، والتوكّل : هو إيكال الأمر إلى اللّه عند ركوب الغمار ، بعد دراسة الطريق ومعرفته معرفة تامّة ، وهو بمنزلة طلب الشفاء من اللّه بعد رجوع المريض إلى الطبيب واستعمال الدواء ، وهو الذي يستحسنه العقل . فإنّ هناك احتمالات لا دافع لها سوى التوكّل : احتمال خطأ الطبيب في معرفة المرض أو جهله بالمرض ، واحتمال خطئه في معرفة الدواء أو جهله به ، واحتمال خطأ الصيدلانيّ في تعيين الدواء ، واحتمال فساد الدواء ، واحتمال عدم التأثير . والتوكّل غير العقلانيّ وغير الصحيح هو الفاقد لخصائص التوكّل الحسن . إنّ الواجب على كلّ قائد هو المشاورة ، ثمّ العزم ، ثمّ تنفيذ ما عزم عليه مع التوكّل على اللّه . وهذا أقرب سبيل للفوز ، وآمن طريق للوصول إلى الغايات الغالية ، وقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ « 1 » . خير بشارة لفوز المتوكّل ونجاحه وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى « 2 » . إنّ التوكّل كفاح لنزعة اليأس التي تملأ بعض القلوب ، قلع لروح الخيبة التي تسيطر على بعض النفوس ، وتسديد للهمّة ، وتشويق إلى الإقدام والخوص في الغمار . لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ والكلام حول هذه الكريمة : هو - أنّها على حدّ التعبير المنطقي - أن يقال : إنّها تشكّل قياسا استثنائيا ينتج انتفاء التالي عند نفي المقدّم ، وإليك صورة القياس : لو كنت فظّا غليظ القلب لانفضّوا من حولك ، ولكنّك لنت لهم ولست بفظّ غليظ القلب ، فتكون النتيجة : أنّهم لم ينفضّوا من حولك ، بل انفضّوا إليك والتفّوا حولك . وذلك من روائع القرآن التي تأتي بالبرهان في صورة الخطابة ، فيكون أسرع إلى القلوب وأنفذ في النفوس .
--> ( 1 ) . آل عمران ( 3 ) الآية 159 . ( 2 ) . النجم ( 53 ) الآية 40 .