السيد رضا الصدر
80
محمد ( ص ) في القرآن
منزلة عظيمة . واستغفار محمّد صلّى اللّه عليه وآله لقومه ينبثق عن رحمة شديدة لهم ، ولولاه لم يستطع الاستغفار لهم . إنّه رحمة بالبشر أعظم من رحمة أيّ ولد بأبيه وامّه . إنّ الأبوين يفكّران في الجزاء على معروفهما من قبل الولد ، ولكنّ النبيّ محمدا صلّى اللّه عليه وآله لا يطلب الأجر من أحد إزاء معروفه له . فقد كان قلبه الطاهر مليئا بالرحمة ، يعفو عمّن ظلمه ، ويصل من حرمه ، ويستغفر لمن أذنب وعصى ، وقد وجده ربّه محلّا وأهلا ، فأمره بالاستغفار للآثمين . والاستغفار يتطلّب رحمة أشدّ من الرحمة التي يتطلّبها العفو . العفو ترك القصاص ، والاستغفار وطلب الخير زيادة على ترك القصاص . لقد عفا محمّد صلّى اللّه عليه وآله عمّن أساء إليه بصفته شخصا ، واستغفر لهم بصفته نبيّا ، وإنّ طلب نبيّ غفران اللّه لقومه يعتبر شفاعة لهم ، وقد أمر بذلك فهو عفوّ غفور شافع ، مستغفر رؤوف رحيم . ولمّا كسرت رباعيّته يوم أحد وشجّ وجهه شقّ ذلك على أصحابه جدّا ، قالوا لو دعوت عليهم ، فقال صلّى اللّه عليه وآله : « إنّي لم ابعث لعّانا ، ولكنّي بعثت داعيا ورحمة ، اللّهمّ اهد قومي فإنّهم لا يعلمون » « 1 » . فهو لم يقتصر على السكوت عنهم حتّى عفا عنهم ثمّ أشفق عليهم ورحمهم ودعا وشفع لهم بقوله : « اللّهم اهد قومي » ، ثمّ اعتذر عنهم إلى ربّه بجهلهم ، فقال : « إنّهم لا يعلمون » . وفي التعبير بقومي عن أعدائه الناصبين له الحرب ، الساعين في قتله وإبادته ما لا يخفى من شدّة الرحمة وطلب الهداية لهم . ذلك استغفاره للكفّار الّذين نصبوا له الحرب وهم أعداؤه ، فكيف باستغفاره للمؤمنين وهم أنصاره وأحبّاؤه ؟ فقد بعث رحمة للعالمين .
--> ( 1 ) . مجمع البيان ، ج 2 ، ص 500 و 501 ؛ البحار ، ج 20 ، ص 21 .