السيد رضا الصدر

35

محمد ( ص ) في القرآن

إليه بالسمّ . كان يعيش في مكّة وفي المدينة بلا حافظ ولا حارس ، وكان يدخل كلّا من البلدين كما كان يخرج منه ، وكان يقف في ساحة الحرب كما كان يجلس في أندية السلم ، ولم يتحصّن بحصن قطّ . وكان يقضي كثيرا من أوقاته في المسجد من دون حارس أو حاجب « 1 » ، ويجلس بين الناس يقضي فيهم بقضاء اللّه ، ويجيب على مسائلهم ، ويخطب فيهم ، وهو خير هدف للسهام الطائشة . وكان يلتقي مع السفراء والوفود دون أن يحرسه أحد ، أو يظلّل عليه بظلال الحجاب ، وكان يخرج وحده كلّ يوم في ظلمة الليل لصلاة الصبح والظلام خير وسيلة للاغتيال ، والكلّ كانوا يعرفون ذلك ، من عدوّ وصديق وقريب وبعيد ، وكان يتفقّد أصحابه ، ويدخل بيوتهم ، ويعود مرضاهم ، ويشيّع موتاهم ، ويصلّي عليهم . وممّا يفضّل حكومته على جميع الحكومات : أنّ محمّدا صلّى اللّه عليه وآله لم يقبض على أحد بالظنّ ولا بالتهمة ، بل كان يعفو عمّن جنى عليه ، وأعداؤه يعرفون ذلك كأصدقائه ، فلا يخافون على أنفسهم من التصدّي له بما يكره على حدّ سواء في صورتي النجاح والفشل . ولم تكن دار سكناه التي يسكن فيها دارا حديديّة ولا حصنا منيعا ، بل كان يسهل على أعدائه هدم بيته عليه ، أو اقتحام داره ، كما صنعوا في مكّة وخرج منها مهاجرا إلى المدينة . كما أنّه لم يأخذ أحدا بجرم سياسي ، ولم يكن في حكومته مسجون سياسي . كانت تلك سيرته في عيشه الشخصي في السلم . وأمّا سيرته في الحرب : فكان أقرب أصحابه إلى العدوّ ، ولكنّ الأعداء لم يستطيعوا أن ينالوا منه شيئا .

--> ( 1 ) . الإصابة ، ج 4 ، ق 1 ؛ فضائل الخمسة ، ج 1 ، ص 149 .