محمد هادي معرفة

54

شبهات وردود حول القرآن الكريم

قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا . « 1 » فإبراهيم هنا قد وعد أباه أن يستغفر له ، وبالفعل وفى بوعده : رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ . وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ . وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ . « 2 » لكن سرعان ما رجع عمّا كان قد رجا في أبيه خيرا ، ومن ثمّ تبرّأ منه حين لم يرج فيه الصلاح ويئس منه . قال تعالى : وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ . « 3 » هذا في بداية أمره قبل مغادرة بلاده وقومه قاصدا البلاد المقدّسة . والدليل على ذلك أنّه يبدأ الدعاء بقوله : رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ . . . الخ . وبعد ذلك يأتي دور مغادرته إلى الأرض المقدّسة ، ويبتهل إلى اللّه أن يرزقه أولادا صالحين . فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ . وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ . رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ . « 4 » وهنا يجيب اللّه دعاءه : وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ . وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ . « 5 » ثمّ إنّه لمّا كبر ابنه إسماعيل وبنى البيت الحرام نراه يدعو لوالديه ويستغفر لهما : وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ إلى قوله : رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ . « 6 » قال العلّامة الطباطبائي : والآية بما لها من السياق والقرائن المحتفة بها خير شاهدة على أنّ والده الذي دعا له واستغفر له هنا غير أبيه آزر الذي تبرّأ منه في سالف الأيام . فقد تحصّل أنّ آزر الذي جاء ذكره في تلك الآيات لم يكن والد إبراهيم ولا أباه الحقيقي ،

--> ( 1 ) مريم 19 : 41 - 47 . ( 2 ) الشعراء 26 : 86 - 89 . ( 3 ) التوبة 9 : 114 . ( 4 ) الصافّات 37 : 98 - 100 . ( 5 ) الأنبياء 21 : 71 و 72 . ( 6 ) إبراهيم 14 : 35 - 41 .