محمد هادي معرفة
473
شبهات وردود حول القرآن الكريم
وهذا هو إلهام الشرّ الشيطاني . أمّا إلهام الخير الرحماني ، فهو كما بشأن أمّ موسى : وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ . . . . « 1 » وأوحينا بمعنى ألهمنا ، في القرآن كثير . وهكذا « قلنا » حديثا مع ذوات الأنفس وليس مشافهة بالكلام . وليس بشأن الإنسان فحسب ، بل بشأن الحيوان والجماد ، أيضا كثير . فجاء حديثا مع أصحاب البقرة : فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ . « 2 » إذ لم يكن خطاب مشافهة ، ولا دليل على أنّه بواسطة الرسول . والمحتمل قويّا هو إيحاء هذا المعنى كما في أمّ موسى . وهكذا قوله بشأن بني إسرائيل - بعد هلاك فرعون - : وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ . . . . « 3 » إلقاء في النفوس بطبيعة الحال . وكان الخطاب مع النار في قوله تعالى : قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ « 4 » أيضا من قبيل إيحاء إرادته تعالى ، لكن تكوينا . نظير الإيحاء إلى النحل والنمل وسائر الحيوان ليسلكوا سبل ربهم ذللا . ومن هذا القبيل قوله تعالى بشأن مردة بني إسرائيل : فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ . « 5 » لم يكن خطاب تكليف بل خطاب تكوين . وهكذا الحديث مع الأرض والسماء في قوله تعالى : وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي . . . . « 6 » فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ . « 7 » فلا غرابة بعدئذ أن يأتي بشأن الإيحاء - نفسيّا - إلى عبد من عباد اللّه الصالحين : قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً . قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ . . . وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً . « 8 » وهذا عندما سار كورش متوجّها في فتوحاته نحو الغرب لتسخير بلاد ليديا ، « 9 »
--> ( 1 ) القصص 28 : 7 . ( 2 ) البقرة 2 : 73 . ( 3 ) الإسراء 17 : 104 . ( 4 ) الأنبياء 21 : 69 . ( 5 ) البقرة 2 : 65 . ( 6 ) هود 11 : 44 . ( 7 ) فصّلت 41 : 11 . ( 8 ) الكهف 18 : 86 - 88 . ( 9 ) مملكة قديمة غربيّ آسيا الصغرى ممّا يلي بحر إيجة . كانت قاعدة ملكها مدينة « سارد » الزاهية بفخامتها يوم ذاك .