محمد هادي معرفة

467

شبهات وردود حول القرآن الكريم

روى محمد بن إسحاق بإسناده إلى سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس ، قال : إنّ النضر بن الحرث بن كلدة وعقبة بن أبي معيط ، أنفذهما قريش إلى أحبار اليهود بالمدينة ، وقالوا لهما : سلاهم عن محمّد ، وصفا لهم صفته ، وخبّراهم بقوله ، فإنّهم أهل الكتاب الأوّل وعندهم من علم الأنبياء ما ليس عندنا . فخرجا حتّى قدما المدينة فسألا أحبار اليهود عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وقالا لهم ما قالت قريش . فقال لهما أحبار اليهود : اسألوه عن ثلاث ، فإن أخبركم بهنّ فهو نبيّ مرسل ، وإن لم يفعل فهو رجل متقوّل ، فارأوا فيه رأيكم . سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأوّل ، ما كان أمرهم ؟ فإنّه قد كان لهم حديث عجيب . وسلوه عن رجل طوّاف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ، ما كان نبؤه ؟ وسلوه عن الروح ما هو ؟ وفي رواية أخرى : فإن أخبركم عن الثنتين ولم يخبركم بالروح فهو نبيّ . فانصرفا إلى مكّة ، فقالا : يا معاشر قريش ، قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمّد ، وقصّا عليهم القصّة . فجاءوا إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله فسألوه . فاستمهلهم النبي صلّى اللّه عليه وآله حتّى يأتيه الوحي ، فمكث أسبوعين حتّى نزلت الآيات بشأن أصحاب الكهف وذي القرنين وبشأن الروح : إنّه من أمر ربّي ولم يبيّن . « 1 » وفي هذا الوصف الذي جاء في رواية ابن إسحاق ، دلالة واضحة على أنّ حديث الفتية حديث قديم يرجع عهده إلى الدهر الأوّل . وربّما يعني ذلك : العهد القديم السابق على عهد موسى وبني إسرائيل . فقد كان حديثا شائعا يتداوله أبناء الأديان القديمة وتوارثها المتأخّرون ومنهم اليهود . ولعلّه كان من شعارات أصحاب الأديان ، هي معرفة هكذا قصص دينيّة فيها اضطهاد وفيها الصبر والأناة والمقاومة تجاه الإلحاد ، وفي النهاية : النصر والظفر . . . فهو حديث غلبة الحقّ على الباطل ، وظهور السلام على العسف والطغيان في أيّ زمان . بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ . « 2 » جاءت الآية حديثا عن مواضع الأنبياء الظافرة . إذن فقد كان حديث الفتية رمزا قديما لانتصار التوحيد على الشرك كلّه ، وشعارا

--> ( 1 ) مجمع البيان ، ج 6 ، ص 451 - 452 . ( 2 ) الأنبياء 21 : 18 .