محمد هادي معرفة
440
شبهات وردود حول القرآن الكريم
الخيال ، بعد وفور الأحداث والتجارب التي مرّت على حياة الإنسان ، وقد كلّفته أثمانا باهظة إن رابحة أو خاسرة ، هي تصلح لأن تقع موضع عبرته في مستقبل الزمان ، نظرا لوحدة متطلّبات الحياة في غابر الأزمان وحاضرها والآتي . والخلاصة : أنّ القصّة في القرآن هي تجربة واقعيّة قاسها الإنسان في حياته الغابرة ، ولتكون عبرة في مستمرّ حياته ، وليست مجرد فرض خيال : أوّلا - لأنّه في غنى عن اللجوء إلى مفروضات خياليّة أو مشهورات هي مقبولات عامّيّة ، بعد وفرة التجارب ذوات العبر في سالف حياة الإنسان . ثانيا - لأنّ البناء على أساس الفرض والخيال سرعان ما ينهار إذا ما كسحته واقعيّات الحياة ولا سيّما بعد فضح الحال . هذا ولكن هناك من يرى من قصص القرآن - كلّها أو جلّها - هي مشهورات عامّيّة استندها القرآن ، لا اعترافا بها ، بل معبرا للوصول إلى غايته في الهداية والإرشاد ، على طريقة الخطابة في البيان . وبعضهم أجاز كونها تمثيلات مجرّدة تقريبا للمطالب إلى الأذهان . . . ولعلّ هذا إفراط بشأن القرآن ! يقول محمد أحمد خلف اللّه : القرآن يجري في فنّه البياني على أساس ما كانت تعتقد العرب وتتخيّل ، لا على ما هو الحقيقة العقليّة ، ولا على ما هو الواقع العملي . فهو حينما يتحدّث عن الجنّ وعن عقيدة المشركين فيهم وأنّهم يستمعون إلى السماء ليعرفوا أخبارها ثمّ يقومون بعد ذلك بإلقاء هذه الأخبار على الكهنة ، وكان الكهنة يدّعون الاطلاع على الغيب ومعرفة الأسرار في كلّ ذلك يجرى على هذا المذهب . جاء في الرازي عند تفسيره لقوله تعالى : إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ « 1 » ما يلي : « وأمّا تشبيه هذا الطلع برءوس الشياطين ففيه سؤال ، لأنّه قيل إنّا ما رأينا رؤوس الشياطين ، فكيف يمكن تشبيه شيء بها ؟ وأجابوا عنه بوجوه ،
--> ( 1 ) الصافّات 37 : 64 - 65 .