محمد هادي معرفة

413

شبهات وردود حول القرآن الكريم

فقد شبّه المنافقون - في حالتهم المزرية - بالذي استوقد نارا لإنارة الطريق ، لكنّه افتقدها فور الوقود . ومن ثمّ كان يجب - حسب الظاهر - إفراد الضمائر كلّها ، حيث عودها على المشبه وهو مفرد ! لكن هذا من باب تناسي التشبيه - كما في الاستعارة المرشّحة - « 1 » كما في قول أبي تمام من قصيدة يرثي بها خالد بن يزيد الشيباني ويذكر أباه . وهذا البيت في مدح أبيه وذكر علوّ قدره ورتبته : ويصعد حتّى يظنّ الجهول * بأنّ له حاجة في السماء استعار الصعود لعلوّ القدر والارتقاء في مدارج الكمال ، ثمّ بنى عليه ما يبني علوّ المكان والارتقاء في السماء . فلولا أنّ قصده أن يتناسى التشبيه ويصرّ على إنكاره فيجعله صاعدا في السماء من حيث المسافة المكانية ، لما كان لهذا الكلام وجه . ونحوه قول أبي الفضل ابن العميد في غلام جميل قام على رأسه ليستره عن الشمس : قامت تظلّلني من الشمس * نفس أعزّ عليّ من نفسي قامت تظلّلني ومن عجب * شمس تظلّلني من الشمس فلولا أنّه تناسى التشبيه لم يكن وجه لهذا التعجّب . وكذا قول أبي الطباطبا العلوي في وصف غلام صبيح : لا تعجبوا من بلى غلالته * قد زرّ أزراره على القمر فلولا أنّه تناسى التشبيه لم يكن وجه لهذا النهي عن التعجّب . ونظيره ما جاء في نفس التشبيه - من غير استعارة - كما في قول عباس بن الأحنف في قصيدة يصف فيها محبوبته ، يخاطب نفسه :

--> ( 1 ) وهي : ما قرن المستعار له بما يلائم المستعار منه . كما في قوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ البقرة 2 : 16 . فإنّه استعار الاشتراء للاستبدال والاختيار ثمّ فرّع عليها ما يلائم الاشتراء من الربح والتجارة . قالوا : والترشيح أبلغ ، لاشتماله على تحقيق المبالغة في التشبيه ، ومبناه على تناسي التشبيه وادّعاء أنّ المستعار له عين المستعار منه ( راجع المطوّل ، قسم البيان ، ص 378 - 379 طبع مصر ، منشورات مكتبة الداوري - قم ) .