محمد هادي معرفة

39

شبهات وردود حول القرآن الكريم

رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ « 1 » أخذوا من هذه الآية دليلا على عموم الطوفان وشموله لوجه الأرض كلّها . قال الشيخ محمّد عبده : ليست الآية نصّا في أنّ المراد بالأرض هذه الكرة كلّها ، فإنّ المعروف في كلام الأنبياء والأقوام وفي أخبارهم أن تذكر الأرض ويراد بها أرضهم ووطنهم ، كقوله تعالى حكاية عن خطاب فرعون لموسى وهارون : وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ « 2 » يعنى أرض مصر ، وقوله : وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها « 3 » فالمراد بها مكّة ، وقوله : وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ « 4 » والمراد ديار فلسطين ، والشواهد على ذلك كثيرة . قال : وظواهر الآيات تدلّ بمعونة القرائن والتقاليد الموروثة عن أهل الكتاب ، على أنّه لم يكن في الأرض كلّها في زمن نوح إلّا قومه - « وهو في أوّليات حياة البشر » - وأنّهم هلكوا كلّهم بالطوفان ولم يبق بعده فيها غير ذرّيته . وهذا يقتضي أن يكون الطوفان في البقعة التي كانوا فيها من الأرض سهلها وجبالها ، لا في الأرض كلّها . إلّا إذا كانت اليابسة منها في ذلك الزمن صغيرة لقرب العهد بالتكوين وبوجود البشر عليها فإنّ علماء التكوين وطبقات الأرض ( الجيولوجية ) يقولون : إنّ الأرض كانت عند انفصالها من الشمس كرة نارية ملتهبة ثمّ صارت كرة مائية ، ثمّ ظهرت فيها اليابسة بالتدريج . « 5 » وبذلك ظهر عدم دلالة الآية وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ « 6 » على شمول الطوفان لعامّة وجه الأرض ، بعد فرض محدودية نطاق النسل البشري آنذاك ( في عهد بعيد جدّا ) وعدم الانتشار في أقطار الأرض . ولا نتسلّم بما حدّدته التوراة من التاريخ القريب ولا مستند لها . لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ شاهد آخر التمسوه دليلا على عموم الطوفان . قال تعالى : وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ . وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ

--> ( 1 ) نوح 71 : 26 . ( 2 ) يونس 10 : 87 . ( 3 ) الإسراء 17 : 76 . ( 4 ) الإسراء 17 : 4 . ( 5 ) تفسير المنار ، ج 12 ، ص 106 . ( 6 ) الصافّات 37 : 77 .