محمد هادي معرفة

386

شبهات وردود حول القرآن الكريم

مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ . فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ . . . . « 1 » فبدأ يواجههم في الخطاب ، لكنّه في الأثناء يغيّر وجهة الكلام إلى التكلّم عن غائبين ، ليحوّل وجهة السامعين من كونهم مخاطبين إلى كونهم ناظرين مستمعين . وذلك للتمكّن في نفوسهم من استقباح ما يشهدونه من فضيع الحال وشنيع المآل ، فيلمسون قباحة العمل وهم يرونه من كثب ، فيكونوا هم الحاكمين على فعالهم بالتقبيح . قال الزمخشري : ما فائدة صرف الكلام عن الخطاب إلى الغيبة ؟ قال : المبالغة ، كأنّه يذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها ويستدعي منهم الإنكار والتقبيح . « 2 » وذلك لأنّ القبيح من الغير يبدو أقبح ممّا لو ذكر عن النفس . وهكذا التنقّل من شأن إلى شأن كان من خاصّيّة الكلام إذا كان خطابا لا كتابا . يتنقّل فيه المتكلّم من حال إلى حال ، وربّما من موضوع إلى موضوع آخر ، ثمّ يعود إلى موضوعه الأوّل حسبما يقتضيه الحال والمقام . والتنقّل ظاهرة قرآنية شاملة ولا سيّما في السور الطوال . مثلا نراه يتعرّض لمسألة الطلاق والعدد في آيات ( البقرة : 228 - 237 ) وينتقل إلى الترغيب في المحافظة على الصلوات والصلاة الوسطى ( الآية : 238 ) وصلاة الخوف ( الآية 239 ) ويذكر المتوفّى عنها زوجها ( الآية : 240 ) ثمّ يعود إلى ذكر المطلّقات ( الآية : 241 ) الأمر الذي لم يكن متناسبا لو كان الكلام كتابا ، ويجوز في الخطاب . وهذا أيضا في القرآن كثير . إذن ، فلا موضع لسفاسف الأباعد من عدم الالتئام في نظم القرآن . قال هاشم العربي - بشأن آية الكرسي بعد ما وصفها بفخامة اللفظ والمحتوى

--> ( 1 ) يونس 10 : 22 - 23 . ( 2 ) الكشّاف ، ج 2 ، ص 338 .