محمد هادي معرفة
379
شبهات وردود حول القرآن الكريم
الأكثرية الساحقة - أم الذين بقوا على جاهليّتهم الأولى وهم النزر اليسير . لكنّهم جميعا بخعوا أمام كبرياء هذا الكتاب وجبروت هذا الكلام . فيا لصاحبنا المسكين يخطّئ ويصوّب فيما لا شأن له ؟ ! إنّ كلمة « وراء » في هكذا موارد من استعمالاتها يراد بها : الكارثة الخطيرة التي تتعقّبهم في مسيرة الحياة ، والمعنى أنّهم سائرون لاهين ، وتلاحقهم داهية دهماء تسعى وراءهم للنيل منهم وهم غافلون عنها غير مبالين بها . وهو من ألطف الكنايات . وهذا كما في قوله تعالى : وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ . « 1 » مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئاً . « 2 » مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ . « 3 » وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ . « 4 » وهكذا جاء استعماله في الشعر الجاهلي ، قال لبيد : أليس ورائي إن تراخت منيّتي * لزوم العصا تحنى عليها الأصابع وقال عبيد : أليس ورائي إن تراخت منيّتى * أدبّ مع الولدان أزحف كالنسر وقال المرقش : ليس على طول الحياة ندم * ومن وراء المرء ما لا يعلم « 5 » قوله : أليس ورائي ، أي أليس يتعقّبني لزوم العصا ؟ وهو تعبير كنائي عن الانتظار لهم في منتهى خطّ المسير . فكان قول المفسّرين : أمامهم ، هو لازم المعنى ولم يريدوا ترجمة اللفظة . وَطُورِ سِينِينَ « 6 » قال المتكلّف : هذا ممّا أخطأ القرآن فيه مراعا للرويّ . والوجه : سيناء كما جاء في
--> ( 1 ) المؤمنون 23 : 100 . ( 2 ) الجاثية 45 : 10 . ( 3 ) إبراهيم 14 : 16 . ( 4 ) إبراهيم 14 : 17 . ( 5 ) راجع : الهدى إلى دين المصطفى ، ج 1 ، ص 352 . ( 6 ) التين 95 : 2 .