محمد هادي معرفة

377

شبهات وردود حول القرآن الكريم

قالوا : وكان ينبغي أن يقول : ثمّ قال له كن فكان . قال بعضهم - تجاسرا على كتاب اللّه - : آثر الرويّ على المعنى ، فآثر الإخلال بالمعنى ليستقيم له الرويّ . وزاد بشاعة في القول : قد ساقه إليه ما ألفه لسانه - يعني محمدا صلّى اللّه عليه وآله - حيث كرّره في ستّة مواضع من كتابه بصيغة المضارع ، ممّا كان متناسبا فيها غير ما هنا . « 1 » لكن المسكين ذهب عنه أنّ هذه الجملة تمثّل كلمة التكوين وليست تكليفا بالقول ، ومن ثمّ كان المسيح عليه السّلام كلمة اللّه ألقاها إلى مريم . « 2 » قال الشيخ محمّد عبده : يجوز أن تكون كلمة التكوين مجموع « كن فيكون » . والمعنى : ثمّ قال له كلمة التكوين التي هي عبارة عن توجّه الإرادة إلى الشيء ووجوده بها حالا . قال : ويظهر هذا في مثل قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ . « 3 » ولو كان القول للتكليف لم يظهر هذا ، لأنّ قول التكليف من صفة الكلام ، وقول التكوين من صفة المشيئة . « 4 » فلفظة « كن » تمثّل إرادته تعالى المتعلّقة بتكوين شيء . و « فيكون » تمثّل تكوين الشيء حالا فور إرادته تعالى . الأمر الذي يتمثّل في لفظة المضارع الدالّة على التحقّق في الحال ، ولا يصلح لذلك صيغة الماضي إلّا بتأويله إلى إرادة الحال أي « فكان في الحال » . وهذا ممّا يكفله صيغة المضارع من غير تأويل . وهذا هو معنى قولهم : « فيكون » حكاية حال ماضية . « 5 » أي وإن كان الأمر قد مضى ، لكنّها حكاية عن أمر كان حالا في ظرفه : فقد تكوّن الشيء حالا فور الإرادة . وهذا من تصوير الحال الماضية كما يقول أهل المعاني . فمعنى قوله « كن فيكون » : أن لا فاصل زمنيّا بين إرادته تعالى وتكوين الشيء وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ . « 6 » إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ . « 7 » أي لا فاصل

--> ( 1 ) هاشم العربي في ملحق ترجمة كتاب الإسلام ، ص 417 - 418 . ( 2 ) إشارة إلى الآية 171 من سورة النساء . ( 3 ) الأنعام 6 : 73 . ( 4 ) تفسير المنار ، ج 3 ، ص 319 . ( 5 ) الكشّاف ، ج 1 ، ص 368 . ( 6 ) القمر 54 : 50 . ( 7 ) يس 36 : 82 .